
إبراهيم العجمي
على الجدار الشمالي لبوابة هادريان داخل معبد إيزيس بجزيرة فيلة في محافظة أسوان، يقف نقش صغير في حجمه، عظيم في دلالته التاريخية. فهذا النقش لا يُعد مجرد كتابة على الحجر، بل يمثل آخر نص معروف كُتب بالخط الهيروغليفي في التاريخ المصري القديم، مسجّلًا لحظة أفول لغة استمرت لآلاف السنين.
قال المرشد السياحي محمد عباسي إن هذا النقش يعود إلى 24 أغسطس عام 394 ميلادية، وقد قام بنحته كاهن يُدعى «إسمت أخوم» احتفالًا بعيد ميلاد أوزوريس، أحد أهم آلهة الديانة المصرية القديمة، ويُعد هذا التاريخ علامة فارقة، إذ لم يُكتب بعده أي نص جديد بالخط الهيروغليفي، لتبدأ اللغة المصرية القديمة في الانحسار التدريجي حتى اندثارها.
ويضيف عباسي أن النقش كُتب في زمن كانت فيه مصر خاضعة للإمبراطورية الرومانية، وهو ما يعكس مرحلة تاريخية انتقلت فيها البلاد من حضارتها التقليدية إلى عصر جديد مختلف في الثقافة والدين واللغة.

نطق النقش وترجمته
«إم باح ما ور سا حر معف إست مچ إخم سا إست مچ حم نترت سن إن إسيت چد نحح، چد مدو إن مري ما ور نب مو وعبت نتر عا» هذا هو النطق التقريبي للنص و ترجمته «أمام مندوليس ابن حورس، بيد إسمت أخوم ابن إسمت، الكاهن الثاني للإلهة إيزيس، للأبد على الدوام، ترتيل بواسطة مندوليس، رب أباتون، الإله العظيم».
ويرافق النص تصوير لمندوليس، الذي يظهر مرتديًا تاجه المميز، وهو الصيغة النوبية لحورس، ما يعكس التداخل الثقافي والديني بين مصر والنوبة في تلك الفترة.
بوابة هادريان… شاهد تاريخي
تقع بوابة هادريان غرب معبد إيزيس، وتطل مباشرة على الموقع القديم لجزيرة بيجه التي كانت تُعد مكانًا مقدسًا يرتبط بأسطورة دفن أوزوريس الرمزية، وكانت هذه البوابة تمثل الممر الذي ينطلق منه موكب إيزيس من فيلة إلى بيجه في الاحتفالات الدينية، كما استُخدمت لاستقبال الحجاج القادمين لزيارة المعبد.
ويرجع اسم البوابة إلى الإمبراطور الروماني هادريان الذي زار مصر عام 130 ميلادية قادمًا من آسيا الصغرى وسوريا وفلسطين، وكان بصحبته خلال رحلته زوجته سابينا. وقد قام الإمبراطور برحلة نيلية على متن اليخت الإمبراطوري، وصل خلالها إلى طيبة، وزار تمثالي ممنون ضمن جولته في صعيد مصر.

رموز ونقوش مميزة
يضم الجدار الشمالي للبوابة مجموعة من المناظر الرمزية المهمة، من أبرزها :منظر منابع النيل حيث يظهر حابي داخل كهف يرمز إلى مصدر النهر، ويعلوه صقر وطائر عقاب، وكذلك عمود “جد”، وهو أحد أهم الرموز الدينية المرتبطة بأوزوريس، ويشير إلى الثبات والاستمرار.
كما يظهر على الجانب الجنوبي للبوابة منظر تمساح، يُعتقد أنه يرمز إلى الأسطورة المرتبطة بانتشال أشلاء أوزوريس، أو إلى دوره في رحلة إيزيس أثناء بحثها عن جسد زوجها.
نهاية لغة استمرت آلاف السنين
يؤكد المرشد السياحي محمد عباسي أن أهمية هذا النقش لا تكمن فقط في مضمونه الديني، بل في كونه آخر صوت مكتوب للغة المصرية القديمة بالخط الهيروغليفي. فبعد هذا التاريخ، توقفت الكتابة بهذه الرموز التي ظلت حية على جدران المعابد والمقابر لما يزيد على ثلاثة آلاف عام.
وهكذا يقف نقش صغير على جدار فيلة، شاهدًا على نهاية عصر لغوي وحضاري كامل، ترك أثره في تاريخ الإنسانية.

الزميل إبراهيم العجمي يستعرض آخر نقش هيروغليفي في معبد أيزيس