إبداع بدون تقدير.. جوائز أدبية لا تساوي كلفة كتاب

كتب:- إبراهيم العجمي

تُعد الجوائز الثقافية إحدى أهم أدوات دعم الإبداع، فهي لا تمنح المبدع تقديرًا معنويًا فحسب، بل توفر له أيضًا دعمًا ماديًا يساعده على الاستمرار في العمل الثقافي والإنتاج الأدبي، لكن الواقع الثقافي في مصر يكشف مفارقة لافتة؛ فبينما تمتلك الدولة منظومة جوائز ثقافية عريقة، يعاني كثير من المبدعين في المحافظات والأقاليم من ضعف قيمة الجوائز المحلية التي لم تعد تتناسب مع المتغيرات الاقتصادية الحالية.

و تتوزع الجوائز الثقافية الرسمية في مصر عبر عدة مستويات، يأتي في مقدمتها جوائز الدولة التي يشرف عليها المجلس الأعلى للثقافة التابع لوزارة الثقافة، وتشمل هذه المنظومة جوائز الدولة التشجيعية والتفوق والتقديرية إضافة إلى جائزة النيل، وهي جوائز مخصصة للمبدعين في مجالات الأدب والفنون والعلوم الاجتماعية.

وتُعد هذه الجوائز الأعلى قيمة في المشهد الثقافي المصري، إذ تبلغ قيمة جائزة الدولة للتفوق نحو 100 ألف جنيه مصري لكل فائز، إضافة إلى ميدالية فضية، وتُمنح سنويًا لعدد من المبدعين الذين قدموا إسهامات بارزة في مجالاتهم.

منحة التفرغ الأدبي..دعم محدود

إلى جانب الجوائز، تقدم وزارة الثقافة أيضًا ما يعرف بـ منح التفرغ الأدبي والفني، وهي إحدى الأدوات التي تهدف إلى دعم المبدعين ومنحهم فرصة التفرغ لإنجاز مشاريعهم الثقافية أو البحثية لمدة عام كامل.

ويحصل الكاتب أو الفنان الحاصل على المنحة على مكافأة مالية شهرية طوال مدة التفرغ، لكن المشكلة تكمن في قيمة هذه المكافأة، إذ أن قيمة المنحة تبلغ نحو 2000 جنيه شهريًا، أي ما يقارب 24 ألف جنيه سنويًا، وهو رقم ظل قريبًا من هذا المستوى لسنوات طويلة رغم التغيرات الاقتصادية الكبيرة وارتفاع تكاليف المعيشة.

جوائز المحافظات..مبالغ رمزية

المشكلة لا تقف عند حدود منحة التفرغ، بل تمتد إلى المسابقات التي تنظمها المؤسسات الثقافية في المحافظات والأقاليم. فالكثير منها — التي تقيمها بعض قصور الثقافة أو الهيئات المحلية — تقدم جوائز مالية رمزية للغاية، إذ لا تتجاوز قيمة الجائزة 300 إلى 500 جنيه في بعض المسابقات الأدبية أو الشعرية ، وهي مبالغ لم يتم تعديلها منذ سنوات طويلة، رغم تغير قيمة العملة وارتفاع تكاليف الحياة.

جيهان زكي وزيرة الثقافة

ويؤكد عدد من المثقفين أن هذه المسابقات يفترض أن تكون بوابة اكتشاف المواهب الجديدة في المحافظات، لكنها تفقد جزءًا كبيرًا من تأثيرها بسبب ضعف قيمتها المادية.

فجوة كبيرة بين جوائز النخبة و المسابقات المحلية

هذا الواقع يخلق مفارقة واضحة في المشهد الثقافي المصري؛ فبينما تقدم الدولة جوائز كبرى ذات قيمة مالية معتبرة على مستوى النخبة الثقافية، تظل المسابقات الأدبية المحلية — التي تمثل الخطوة الأولى لاكتشاف المواهب — محدودة التأثير بسبب ضعف الدعم المالي.

وتشير تجارب العديد من الدول إلى أن دعم المبدعين في بداياتهم يمثل أحد أهم عناصر بناء صناعة ثقافية قوية، فالمسابقات الصغيرة والجوائز المحلية غالبًا ما تكون البداية الحقيقية لمسيرة الكاتب أو الشاعر أو الفنان.

مقترح برلماني لدعم الثقافة والمثقفين

وفي هذا السياق، كشفت النائبة نيفين فارس، عضو مجلس الشيوخ عن حزب العدل، أنها تعكف حاليًا على إعداد مقترح برغبة لإعادة النظر في القيمة المادية لجوائز وزارة الثقافة ومنح التفرغ الأدبي والفني، بما يتناسب مع معدلات التضخم التي شهدتها مصر خلال السنوات الماضية.

وأكدت النائبة أن دعم الثقافة والمثقفين يمثل أحد أهم عناصر القوة الناعمة للدولة المصرية، مشيرة إلى أن تحديث قيمة الجوائز والمنح الثقافية يعد خطوة ضرورية لتشجيع المبدعين، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية وارتفاع تكاليف المعيشة.

نيفين فارس عضو مجلس الشيوخ

جوائز قيمتها أقل من ثمن كتاب

عندما تصبح الجائزة الأدبية أقل من ثمن كتاب جديد، فإنها تفقد قدرتها على جذب المبدعين الشباب أو تشجيعهم على المشاركة، فالقضية هنا ليست مجرد قيمة مالية، بل رسالة رمزية تعكس مدى اهتمام المجتمع بالإبداع والثقافة، لذلك في ظل هذه المعطيات يطرح كثير من المثقفين سؤالًا مشروعًا: هل تحتاج منظومة الجوائز الثقافية في مصر إلى مراجعة شاملة؟

فالمسألة لا تتعلق فقط بعدد الجوائز، بل أيضًا بقيمتها المادية ومدى ارتباطها بالواقع الاقتصادي الحالي، وفي زمن تتصاعد فيه المنافسة بين الصناعات الثقافية العالمية — من السينما إلى المنصات الرقمية — يصبح دعم الكتابة والإبداع الأدبي استثمارًا طويل المدى في القوة الناعمة لأي دولة.

الثقافة تحتاج بيئة محفزة

ويرى مراقبون أن تحديث منظومة الجوائز الثقافية قد يكون خطوة ضرورية لضمان استمرار الدور الثقافي لمصر في المنطقة، خاصة في ظل وجود طاقات إبداعية كبيرة في المحافظات والأقاليم تحتاج إلى فرص حقيقية للظهور.

فالثقافة لا تزدهر فقط بالندوات والاحتفالات، بل تحتاج أيضًا إلى بيئة تشجع المبدع على الكتابة والإنتاج، وتمنحه شعورًا بأن جهده الفكري يحظى بالتقدير والاحترام.