التحول الرقمي بالجامعات المصرية.. رقمنة تتقدم على الورق وغياب التطبيق الفعلي

لم تعد الرقمنة رفاهية في مؤسسات التعليم العالي، بل أصبحت شرطا أساسيًا لمواكبة تطور المعرفة وسرعة الأداء، وفي مصر، أعلنت وزارة التعليم العالي منذ عام 2019 انطلاق مشروع “التحول الرقمي الجامعي”، الذي يستهدف بناء منظومة إلكترونية متكاملة لإدارة الجامعات والخدمات الطلابية، لكن بعد مرور أكثر من خمس سنوات، يتساءل كثيرون: هل تحققت وعود التحول الرقمي فعلًا، أم أن الواقع ما زال يدور في فلك الدعاية الرسمية؟.

إنجازات على الورق… وغياب على الأرض

بحسب بيانات الوزارة، تم ربط الجامعات المصرية بشبكة موحدة، وإنشاء أكثر من 20 مركزًا للبيانات، وإطلاق أنظمة إلكترونية لإدارة الامتحانات وقواعد القيد والتسجيل، كما أطلقت جامعات القاهرة والمنصورة والإسكندرية منصات تعليمية رقمية نجحت في توفير آلاف المحاضرات عبر الإنترنت، وهو ما مثّل خطوة مهمة خلال جائحة كورونا.

لكن على الأرض، لا تزال الفجوة التقنية واضحة بين الجامعات الكبرى ونظيراتها في المحافظات، ففي حين تمتلك جامعات العاصمة بنية تحتية رقمية متقدمة، تعاني جامعات الصعيد من ضعف الإنترنت، وتأخر الخدمات الإلكترونية، واعتمادها الكبير على المعاملات الورقية.

أساتذة: النظام موجود لكن الثقافة غائبة

يقول الدكتور أحمد جاد، أستاذ نظم المعلومات بجامعة عين شمس، إن مشروع التحول الرقمي في حد ذاته خطوة جريئة، لكن المشكلة في التنفيذ، فالتكنولوجيا متاحة، لكن ثقافة الاستخدام لسه محدودة سواء عند الإداريين أو بعض أعضاء هيئة التدريس”، مضيفًا أن :”التحول الرقمي مش مجرد أجهزة وشبكات، ده تغيير في طريقة التفكير والإدارة، وده بياخد وقت وتدريب”.

الطلاب بين الإعجاب والشكوى

يرى الطلاب أن النظام الرقمي سهّل بعض الإجراءات مثل التسجيل الإلكتروني والاستعلام عن النتائج، لكنه لم يُلغَ البيروقراطية بشكل كامل، حيث تقول نوران حمدي، طالبة بكلية التجارة جامعة طنطا:”بندفع المصاريف أونلاين وده مريح جدًا، لكن لسه لما نحتاج ورق أو ختم لازم نرجع للموظف”، بينما يرى زميلها محمود عزت: “الخدمات أونلاين كويسة، بس السيستم ساعات بيقع، ومفيش دعم فني سريع”.

نحو رقمنة حقيقية لا شكلية

يؤكد خبراء التعليم أن التحول الرقمي الناجح لا يُقاس بعدد الشاشات أو التطبيقات، بل بسرعة الخدمة ودقتها واستدامتها، كما يجب أن يصاحبه تطوير تشريعي يضمن الاعتراف القانوني بالمعاملات الإلكترونية داخل الجامعات.

ويرى المراقبون أن التجربة المصرية تسير في الاتجاه الصحيح، لكنها ما زالت بحاجة إلى إرادة مؤسسية أقوى، وتدريب بشري أعمق، وتمويل مستدام، حتى يتحول الشعار من “رقمنة الجامعة” إلى “عقلنة الجامعة”.

بين الإنجاز والدعاية

 يقف ملف التحول الرقمي في الجامعات المصرية في منتصف الطريق، فقد تحقق الكثير من الخطوات التقنية، لكن التحدي الحقيقي ما زال في تغيير الثقافة الإدارية والتعليمية داخل المؤسسات نفسها.

وحين تصبح التكنولوجيا أداة يومية لا حدثًا احتفاليًا، يمكن القول إن الجامعات المصرية دخلت فعلاً عصر التحول الرقمي لا عصر الحديث عنه.