أشرف أمين

الطلاب: لدينا كتب مطبوعة من عام 2002 والامتحانات تعتمد على الحفظ
في قاعة مزدحمة بإحدى قاعات كلية التجارة بجامعة عين شمس، يتابع مئات الطلاب محاضرة في مادة الاقتصاد الكلي التي لم تتغير مراجعها منذ أكثر من عقدين، حيث يقول أحمد شعلان، طالب في السنة الثالثة:” نذاكر من كتب طبعتها 2002، والامتحانات تعتمد على الحفظ فقط، لكن في سوق العمل الآن، كل شيء رقمي وتحليلي”، فمشهد “أحمد” يتكرر في جامعات مصرية عديدة، حيث يشكو الطلاب والأساتذة من بطء تجديد المناهج الدراسية رغم التطور المتسارع في مجالات الاقتصاد، والإعلام، والهندسة، والتكنولوجيا.
المنهج لا يعرف الإنترنت
وفي كلية الإعلام بجامعة الأزهريقول الطالب محمود عامر:” ندرس نظريات إعلامية كتبت قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، بينما كل الوظائف الآن تطلب خبرة في التسويق الرقمي وصناعة المحتوى”، ويضيف أن معظم المقررات تعتمد على محاضرات تقليدية لا تتضمن تدريبًا عمليًا أو تقنيات حديثة، ما يجعل الطالب يشعر بأن ما يتعلمه بعيد تمامًا عن واقع المهنة.

أساتذة يعترفون: التحديث بطيء
يقرّ عدد من الأساتذة الجامعيين بأن عملية تحديث المناهج تواجه عقبات بيروقراطية متعددة، حيث يقول الدكتور طارق عبد الحميد، أستاذ الاقتصاد بجامعة طنطا إن: “اللجان الأكاديمية المسؤولة عن تطوير المناهج تُجري مراجعات كل خمس أو عشر سنوات، بينما السوق يتغير كل عام، وهناك فجوة زمنية لا يمكن تجاهلها”.
ويضيف أن بعض الكليات ما زالت تدرس مواد صيغت في تسعينيات القرن الماضي، رغم أن الأدوات الاقتصادية تغيرت جذريًا، وأصبح الذكاء الاصطناعي والتحليل الرقمي جزءًا أساسيًا من الوظائف الحديثة”.

البيروقراطية والعقبات المؤسسية
تُعد الموافقات الإدارية الطويلة من أبرز أسباب تأخر تطوير المناهجج، حيث يقول أحد أعضاء لجنة تطوير البرامج الدراسية في جامعة حكومية – فضل عدم ذكر اسمه – إن أي تعديل على مادة دراسية يحتاج لموافقات متتالية من الأقسام العلمية، ثم الكلية، ثم المجلس الأعلى للجامعات، مضيفًا أنه في النهاية قد تستغرق الموافقة على تعديل فصل واحد من المقرر أكثر من عام، في حين يمكن أن يتغير السوق في ستة أشهر.
طلاب يطلبون مهارات… لا محاضرات
في المقابل، يرى الطلاب أن الحل لا يقتصر على تغيير المقررات، بل في تغيير أسلوب التعليم نفسه، حيث يقول محمود، خريج كلية الهندسة:” التعليم في مصر ما زال يعتمد على التلقين، بينما سوق العمل يريد مهندسًا يعرف كيف يحل المشكلات ويبتكر، الشركات تبحث عن مهارة، لا شهادة”، وتشير دراسات محلية إلى أن أكثر من 60% من خريجي الجامعات المصرية يضطرون إلى الالتحاق بدورات خارجية في البرمجة، أو التسويق، أو اللغات بعد التخرج لتعويض النقص في مهاراتهم العملية.

نحو تعليم يواكب العصر
من جانبها تقول الدكتورة حنان عبد السلام، أستاذة تطوير المناهج بكلية التربية جامعة عين شمس، إن المشكلة ليست في نقص الكفاءات، بل في غياب آلية مؤسسية مستمرة لتحديث المناهج، مضيفة:” يجب أن يصبح تطوير المناهج عملية سنوية مرتبطة بتحليل احتياجات السوق، لا مجرد مراجعة شكلية”.
وأشارت إلى أن الجامعات في دول أخرى باتت تعتمد على الشراكات مع الشركات الخاصة لتحديث مقرراتها سنويًا، فيما لا تزال بعض الجامعات المصرية تعمل وفق خطط تعليمية صيغت في التسعينيات.
إصلاح بطيء.. ومستقبل غير واضح
في السنوات الأخيرة، أعلنت وزارة التعليم العالي المصرية عن خطط لتحديث المناهج وربطها بالتحول الرقمي، لكن التغيير ما زال محدودًا فينطاقه، ويرى مراقبون أن تحقيق نقلة حقيقية يتطلب ربط المناهج بمؤشرات أداء واضحة، ومشاركة فعالة من سوق العمل في وضع المحتوى الأكاديمي.