الحياة الحزبية في غرفة الإنعاش.. 100 حزب وغياب التأثير.. هل آن أوان الدمج؟

في لحظة فارقة من عمر الوطن، وبينما تتقاطع التحديات مع الطموحات، يبقى الحلم بمصر أكثر ديمقراطية وتعددية سياسية ومشاركة شعبية حقيقية هو الحلم الجامع لأغلب المصريين، “مصر إللي بنحلم بيها” ليست مجرد شعارًا، بل مشروع وطني متكامل يبدأ من إصلاح السياسة وتطوير الحياة الحزبية وتفعيل الدور البرلماني ليكون معبرًا صادقًا عن آمال الناس وهمومهم.

وبما أن الحياة السياسية لأي دولة هي الأساس للنهوض والتقدم، أصبح من الضروري أن يُعاد المشهد في الحياة السياسية، ومن ثم أصبح الوقت الراهن هو المناسب لإعادة تشكيل المشهد السياسي بما يتناسب مع الوضع الراهن في البلاد.

1 _ 100 حزب  

الأحزاب السياسية هي العمود الفقري لأي ديمقراطية حقيقية، لكنها في مصر تعاني من التكلس وغياب القواعد الشعبية، عدد الأحزاب المسجلة يتجاوز المائة، لكن معظمها لا يملك حضورًا فعليًا أو رؤية واضحة، ما أدى إلى أن أصبح مصطلح “الأحزاب الكرتونية” شائعًا في وصف الكيانات الحزبية التي لا وجود حقيقي لها على الأرض، والواقع أن عددًا كبيرًا من الأحزاب في مصر لا يملك أكثر من مقر وبعض الأوراق والمواقع الإلكترونية بعضها لم يُعرف له أي موقف سياسي بارز، ولا يوجد له حضور في أي انتخابات منذ تأسيسه.

ورغم تجاوز عدد الأحزاب السياسية المسجلة في مصر حاجز الـ100 حزب، فإن الواقع يشير إلى مشهد سياسي باهت، وحياة حزبية تكاد تكون غائبة عن الشارع، لا معارك انتخابية حقيقية، ولا برامج حزبية مؤثرة، ولا منافسة على كسب ثقة المواطنين، فقط شعارات، ومقار مغلقة، ووجوه تتكرر في وسائل الإعلام دون قاعدة جماهيرية أو فعل مؤسسي حقيقي.

باستثناء عدد محدود من الأحزاب التي ارتبطت بمشاركة في البرلمان أو الحكومة، فإن الغالبية العظمى من الأحزاب يعيش في حالة موت سريري سياسي، لا نشاط جماهيري، لا فروع فعالة، لا مبادرات، ولا حتى تفاعل مع قضايا الرأي العام.

وبالتالي بات من الضروري أن تعبر الحياة السياسية من خلال أحزابًا قوية نابعة من المجتمع، لا تتشكل فقط حول شخصيات أو مصالح وقتية، أحزابًا تمثل الفلاح والعامل والمعلم والطبيب، أحزابًا تضع برامج حقيقية وتخوض بها الانتخابات، وتتحمل مسؤولية إنفاذ ما وعدت به.

كما يجب أن يُعاد النظر في قوانين تأسيس الأحزاب، وآليات تمويلها، و توفير منابر إعلامية عادلة تتيح لكل الأطياف عرض أفكارها ومخاطبة جمهورها.

2_ أسباب الأزمة والحل

أحد الأسباب الجوهرية لضعف الأحزاب في مصر هو ضعف البنية التنظيمية والتمويل، العديد من الأحزاب التي تم تأسيسها بعد ثورة يناير، افتقرت إلى التنظيم الداخلي الجيد، واعتمدت في الغالب على أفراد، لا مؤسسات، كما أن التمويل يمثل أزمة حقيقية، إذ تفتقر الأحزاب إلى موارد ثابتة أو دعم شعبي، مما يدفع بعضها إلى الركون التام أو الدخول في تحالفات شكلية.

إضافة إلى تشابه الأحزاب، كثير منها تتبنى نفس الخطاب، وتكرر نفس البرامج العامة التي لا تحمل أي طابع خاص أو طرح مميز، الأمر الذي أدى بالضرورة إلى غياب الثقة والشرعية الجماهيرية، فالمواطن لا يرى في معظم هذه الأحزاب أدوات حقيقية للتغيير، بل يعتبرها في أفضل الأحوال كيانات شكلية، أو في أسوأ الأحوال أدوات بيد رجال الأعمال.

وبالتالي بات من الضروري لحل هذه الأزمة، تعديل قوانين الأحزاب والانتخابات بما يضمن جدية التكوين والتمثيل الحقيقي، وليس فقط تسجيل الأوراق، كما يجب إصلاح النظام الانتخابي ليُشجع التعددية ويمنح الأحزاب الصغيرة فرصة للنمو.

كذلك من أبرز الحلول التي قدمت أكثر من مرة لإحياء الحياة الحزبية في مصر كانت “دمج الأحزاب” من خلال التقارب الفكري والبرنامجي باندماج الأحزاب التي تتبنى نفس الخطاب والتوجه، وإعادة هيكلة الأحزاب القائمة، على الأحزاب نفسها أن تعيد النظر في هياكلها وبرامجها وقياداتها، وأن تفتح أبوابها للشباب والنساء والمهمشين، لتكون بالفعل ممثلة للشعب لا للنخبة.

3_ البرلمان… مرآة للحياة السياسية

الحياة السياسية والحزبية تنعكس بالضرورة على شكل البرلمان وأداؤه وبالتالي، تحتاج على المستوى البرلماني إلى تمثيل شعبي حقيقي، من خلال تمثيل عادل لكل فئات الشعب، وأحزاب سياسية فاعلة، ليست مجرد ديكور أو واجهة، وبرلمان يستطيع أن يراقب أداء الحكومة، ويحاسب الوزراء والمسؤولين، مع تفعيل أدوات الرقابة مثل: الاستجواب، طلبات الإحاطة، لجان تقصي الحقائق، وغيرها من الأدوات الرقابية التي نصت عليها اللائحة الداخلية سواء لمجلس النواب أو الشيوخ.

على المستوى التشريعي، نحتاج إلى تشريعات تخدم المواطن وليس النخبة، مثل قوانين الحماية الاجتماعية، العدالة الضريبية، وغيرها من التشريعات التي تساهم في التقليل من الأعباء الاقتصادية التي تعاني منها البلاد.

كما يجب أن يضع البرلمان المقبل نصب عينيه تحقيق رؤية الدولة 2030 وهي أجندة وطنية أُطلقت في فبراير ٢٠١٦ لتعكس الخطة الاستراتيجية طويلة المدى للدولة لتحقيق مبادئ وأهداف التنمية المستدامة في كل المجالات، وتوطينها بأجهزة الدولة المختلفة، وتستند على مبادئ “التنمية المستدامة الشاملة” و”التنمية الإقليمية المتوازنة”، وتعكس رؤية مصر ٢٠٣٠ الأبعاد الثلاثة للتنمية المستدامة: البعد الاقتصادي، والبعد الاجتماعي، والبعد البيئي
.

وتركز رؤية مصر ٢٠٣٠ على الارتقاء بجودة حياة المواطن، وتحسين مستوى معيشته في مختلف نواحي الحياة، من خلال التأكيد على ترسيخ مبادئ العدالة والاندماج الاجتماعي ومشاركة كافة المواطنين في الحياة السياسية والاجتماعية، يأتي ذلك جنبًا إلى جنب مع تحقيق نمو اقتصادي مرتفع، احتوائي ومستدام وتعزيز الاستثمار في البشر وبناء قدراتهم الإبداعية من خلال الحث على زيادة المعرفة والابتكار والبحث العلمي في كافة المجالات.

4_ قوانين عالقة

خلال السنوات السابقة تصاعدات المطالبات بضرورة إقرار قانون المحليات والذي يعد من أبرز القوانين المؤجلة منذ دور الانعقاد الأول، وسبق وانتهت منه لجنة الإدارة المحلية خلال الفصل التشريعي الأول، لكن حتى الأن لم يتم ناقشة مشروع القانون.

ويعد قانون المجالس المحلية، استحقاقًا دستوريًا أصيلاً، حيث تنص المادة 242 من دستور 2014 على أن:” يستمر العمل بنظام الإدارة المحلية القائم إلى أن يتم تطبيق النظام المنصوص عليه في الدستور بالتدريج خلال خمس سنوات من تاريخ نفاذه”، أي أنه كان من الضروري إنجاز انتخابات المحليات خلال عام 2019 أي منذ نحو 5 أعوام.

وتفتقد الساحة السياسية المصرية المجالس الشعبية المحلية منذ عام 2011، عندما أصدرت الدائرة الأولى بمحكمة القضاء الإداري في 28 يونيو عام 2011، حكمًا بحل المجالس الشعبية المحلية على مستوى الجمهورية، ومنذ هذا الوقت لم تعد لدينا مجالس محلية.

كذلك قانون الأحوال الشخصية من التشريعات التي لم يمر دور انعقاد إلا وصدرت تصريحات عن شروع مجلس النواب في مناقشته وإقراره لتحقيق التوازن في العلاقة بين الرجل والمرأة، حيث ينظم القانون قضايا الزواج، والطلاق، وحضانة الأطفال، والوصاية، والنفقة، وتعدد الزوجات، والميراث، وغيرها من الأمور المتعلقة بالأسرة.

وبالتالي بات من الصعب إقرار هذين القانونين الهامين خلال الفصل التشريعي الراهن الذي تفصلنا أيام عن انتهاء أعماله، استعدادًا للبرلمان الجديد 2025_ 2030، ومن ثم أصبح من الضروري أن يكونا على أجندة المجلس الجديد.