
سمر أبو الدهب
بينما تشتعل المنطقة على وقع التوترات الچيوسياسية المتصاعدة بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، انعكست أصداء الحرب مباشرة على شاشات الصرف، لتكسر هدوء الدولار الذي قفز من مستويات الـ 48 جنيهًا ليستقر عند مستوى الـ 52 جنيهًا، ورغم هذا الارتفاع السعري، لم تكن السيولة هي العائق الوحيد أمام المستوردين، بل برز جدار البيروقراطية كعقبة أشد قسوة؛ حيث يواجه المتعاملون تعقيدات إدارية تحول الأرقام الرسمية إلى مجرد حبر على ورق، وتجعل الحصول على العملة معركة زمنية خاسرة.
هذه الفجوة بين السعر المعلن والقدرة على التنفيذ الفوري خلقت حالة من الاحتقان في الأوساط التجارية، بعد أن بات عنصر الوقت أغلى ثمنًا من فارق السعر نفسه، ومع استمرار سياسة النفس الطويل في منح الموافقات البنكية، بدأت السوق الموازية تستعيد بريقها ليس كخيار أوفر بل كمسار اضطراري وأسرع لإنقاذ بضائع مكدسة في الموانئ تنهشها غرامات الأرضيات وتنتظر رصاصة الرحمة من دورة مستندية لا تعترف بضغط الأزمات العالمية.
أكد أشرف محمود، مستورد قطع غيار سيارات، أن البيروقراطية في الإجراءات البنكية جعلت اللجوء للسوق السوداء خيار إجباري؛ موضحًا أنه يواجه معضلة المفاضلة بين سعر البنك الرسمي “الذي كان تحت 48 جنيهًا وناهز الآن الـ 52 جنيهًا مع انتظار يمتد لثلاثة أسابيع أو أكثر، وبين السعر في السوق الموازي الذي يلامس مستويات أعلى تقدر بـ 3 جنيهات تقريبًا مع تنفيذ فوري.
وأشار إلى أن فارق السعر يظل أقل من تكلفة غرامات الأرضيات في الموانئ التي تتجاوز 150 دولار يوميًا للحاوية، مما يدفعه لشراء عنصر الوقت من السوق السوداء لإنقاذ بضاعته.
ولفت إلى أن تداعيات ذلك تظهر مباشرة عبر رفع ثمن السلعة بنسبة تتراوح بين 10% إلى 15% لتعويض خسائر التأخير، أو تقليص حجم الكميات المستوردة بنسبة 40%، وهو ما يخلق فجوة في المعروض ترفع الأسعار على المستهلك النهائي.
نزيف مالي يومي تحت مقصلة غرامات الأرضيات
في سياق متصل، قال محمد أحمد، مستورد أدوات منزلية،إن الأزمة لم تعد في سعر الدولار بقدر ما هي في ثمن الوقت، موضحًا أن التأخير في تدبير العملة ليس مجرد انتظار بل هو نزيف مالي يومي.
وأضاف أن الأضرار تتجاوز فكرة توفر السيولة، حيث يعيش المستوردون تحت مقصلة غرامات الأرضيات التي تأكل هامش الربح بالكامل، بل قد تجعل الصفقة خاسرة قبل وصولها للمخازن، فضلاً عن فقدان المصداقية مع المورد الأجنبي الذي لا يعترف بالبيروقراطية البنكية، وتذبذب أسعار الخامات عالميًا؛ فالبنك قد يقوم بتدبير الاحتياجات على مراحل زمنية متفاوتة تمتد لأسابيع، حينها يكون السعر العالمي للمنتج قد تغير، أو تكون فرصة البيع الموسمية قد ضاعت.
وحول لجوء المستوردين للسوق السوداء، أكد “محمد” أن بطء الإجراءات والروتين هما المصدر الأول لتمويل هذه السوق حاليًا؛ فالمستورد يجد نفسه أمام خيارين، إما الانتظار لأسابيع خلف مكاتب الموظفين وتقديم أوراق تعجيزية بينما بضاعته مهددة بالتلف، أو الحصول على العملة من السوق الموازية في ساعة واحدة.
وتابع أن الكثيرين يضطرون لشراء الدولار بسعر أعلى فقط لشراء عامل الوقت، متابعًا نحن لا نهرب من النظام المصرفي لكن النظام هو من يدفعنا للخروج منه ببطء إجراءاته، ففي عالم التجارة تعتبر السيولة المتأخرة هي سيولة منعدمة القيمة.
ثورة إدارية لا قرارات أمنية.. روشتة لقطع الطريق على تجار العُملة
من جانبه، أكد الدكتور هاني أبو الفتوح، الخبير المصرفي، أننا نعيش حالة من انفصام الشخصية الاقتصادي؛ فبينما تسجل بيانات البنك المركزي أعلى مستوى تاريخي للاحتياطي النقدي بـ 52.59 مليار دولار، لا يزال المستورد الصغير يصطدم بجدار من الإجراءات البيروقراطية عند طلب العملة، مؤكدًا أن هذا التناقض يضعنا أمام سؤال جوهري، هل أزمتنا في السيولة أم في هندسة الإجراءات؟.
وأشار إلى أن التشديد الحالي يبدو ناتجًا عن “فوبيا رقابية زائدة”، حيث يتبع النظام المصرفي تعليمات غير معلنة للتحكم في الطلب خوفًا من استنزاف الاحتياطي.
ولفت” أبو الفتوح” إلى أن هذا الحذر المبالغ فيه هو الذي يمنح السوق السوداء قُبلة الحياة، مؤكدًا أن الحل الحقيقي لا يتوقف عند توفر الرصيد في البنك المركزي إنما في تبسيط دورة العمل اليومية داخل الفروع.
وأوضح أن البيروقراطية الداخلية تختلف من بنك لآخر مما يشير إلى غياب مسطرة موحدة للتنفيذ، مشددًا على أن النظام المصرفي مطالب اليوم بتبسيط الإجراءات لامتصاص الطلب الحقيقي، وإلا سنظل في سباق مع الزمن ضد تجار العملة، فإن قطع الطريق على عودة السوق السوداء لا يحتاج إلى قرارات أمنية بل إلى ثورة إدارية تجعل من البنك الخيار الأسرع وليس فقط الأضمن.