
تألق المنتخب الفرنسي بقوة في أخر ظهور له ضمن الاستعددات لمنافسات كأس العالم 2026 بالفوز على منتخبي البرازيل وكولومبيا، والمدهش في الأمر أن منتخب الديوك خاض المباراتين بتشكيلين مختلفين تقريبا، مما يعكس وفرة العناصر وكثرة النجوم ،وكالعادة مع كل ظهور قوي لمنتخب فرنسا يكثر الكلام عن أصول اللاعبين وخلوهم من العرق الفرنسي، الأمر الذي يحاول دائما اليمين الفرنسي المتطرف استخدامه للترويج إلى أزمة هوية مصطنعة، يسعى أن يكسب بها أرض بين أتباعه من الفرنسيين.
هكذا تحول منتخب فرنسا إلى رمز سياسي وثقافي يعكس صراعا عميقا داخل المجتمع الفرنسي، فالمنتخب الذي يضم مجموعة من ذوي الأصول الأفريقية والعربية والكاريبية، يتصدر دائما دائرة الضوء، ليس بسبب مستواه الفني فحسب، ولكن بسبب جدليات السياسة ، ومع هذا يرى المعتدلون في الداخل الفرنسي أن بالدهم استفادت بشدة من احتواء المهاجرين، وبنت بهم مجد كروي كبير، ليس في كرة القدم فحسب ولكن في كل المجالات، كما أن المنتخب بتكوينه الحالي يعكس صورة حضارية لفرنسا، ويأكد على قيم التعددية والمساواة.
صدام مستمر و صراعات خارج الملعب
بعد تجربة كأس العالم 1998 والتي أنتهت بنجاح زين الدين زيدان ورفاقه بالفوز باللقب الأول لفرنسا، تغير شكل المنتخب وزاد ظهور أبناء واحفاد المهاجرين الذين اثبتوا وجودهم بوضوح، حتى وصلنا للجيل الحالي الذي وضع فرنسا على رأس الدول المصدرة للمواهب، لكن هذا لم يمنع الصدام ، فالتنوع الذي تشهده الملاعب الفرنسية ليس محل إجماع، فهوية المنتخب تمثل صداعًا في رأس تيارات اليمين المتطرف، التي دأبت على طرح رؤية مختلفة للهوية الفرنسية، أساسها التميز العرقي .

ورغم الاحتفاء الشعبي بالمنتخب عند الانتصارات، إلا أن الواقع يقول أن فرنسا مازالت منقسمة سياسيًا واجتماعيًا، فاللاعبون الذين تفتخر بهم فرنساوتعتبرهم ثورة قومية، خرج أغلبهم من ضواحي مهمشةتعاني من البطالة والتمييز وضعف الفرص، مما يجعل المنتخب انعكاسًا جزئيًا للواقع لا صورة مكتلمة له.
ولا يخفى سرًا أن اليمين المتطرف في تصاعد مستمر مستفيدًا من الأزمات الإقتصاديةالعالمية في الترويج لرؤيته حول الهجرة و الهوية والأمن، في المقابل لم يعد اللاعبون بمعزل عن هذا الجدل، إذ تعالت أراء بعضهم السياسية صراحًة، محذرين من تنامي خطاب الإقصاء، وهو ما لقى صدى إيجابي بين طبقات المجتمع الفرنسي مما يعكس تأثير كرة القدم كقوة ناعمة.
ورغم رمزية المنتخب الفرنسي، فالمحللون لا يثقون في قدرته بمفرده على تغيير التوازانات السياسية، فنجاحه حسب رأيهم يصب في صالح نموذج التعايش، لكنه لا يعالج جذور الأزمة، في المقابل تزايد شعبية اللاعبين الفرنسيين في كل أنحاء العالم، يعطي أبناء المهاجرين شرعية لا جدال فيها ويدعم موقف الملايين في مواجهة اليمين المتطرف، لذلك يبقى المنتخب الفرنسي غصة في حلق أصحاب الخطاب الإقصائي أو ربما لطمة على وجهه.