
في تحول لافت في سياسات الطاقة، تتجه مصر نحو استيراد النفط الليبي، رغم أنها لم تعتمد عليه سابقًا بشكل مباشر. ويأتي هذا التوجه في ظل متغيرات إقليمية واقتصادية، تفرض إعادة النظر في مصادر الطاقة. لكن خصوصية النفط الليبي، وخاصة كونه من النوع الشمعي، تفتح بابًا واسعًا للنقاش حول جدواه الاقتصادية والتقنية.
النفط الليبي
تقارير المؤسسة الوطنية للنفط (NOC)، تُعرف النفط الليبي بكونه من الخامات الخفيفة منخفضة الكبريت، وهو ما يجعله مرغوبًا في الأسواق العالمية نظرًا لجودته العالية وسهولة تكريره مقارنة بأنواع أخرى، وتُعد ليبيا من أبرز الدول المنتجة لهذا النوع من النفط، الذي يتميز أيضًا بنسبة شوائب أقل، ما يقلل من تكاليف المعالجة داخل المصافي.

يقول محمد حسين استشاري ومهندس البترول ، إن النفط الليبي يُعد من أفضل أنواع النفط الخام على مستوى العالم، نظرًا لارتفاع درجة جودته مقارنة بالعديد من الخامات الأخرى، موضحًا أن معيار الجودة في النفط يُقاس بما يُعرف بدرجة API، والتي تعكس خفة الخام وقيمته السوقية.
وأشار إلى أن درجات النفط في مصر تتراوح عادة بين 25 و35 درجة، بينما يتميز النفط الليبي بدرجات أعلى، ما يجعله أكثر خفة وأسهل في التكرير، وبالتالي أعلى سعرًا في الأسواق العالمية.
وأضاف أن “كلما ارتفعت درجة جودة الخام، زادت قيمته الاقتصادية”، لافتًا إلى أن أسعار النفط شهدت مؤخرًا ارتفاعًا ملحوظًا، حيث تجاوز سعر البرميل حاجز 100 دولار، مدفوعًا بتطورات الأوضاع الجيوسياسية، وعلى رأسها التوترات المرتبطة بالحرب بين إيران وأطراف إقليمية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية.
وأكد أن هذا الارتفاع في الأسعار قد يعزز من أهمية تنويع مصادر الاستيراد، بما في ذلك التوجه نحو النفط الليبي، الذي يجمع بين الجودة العالية والقرب الجغرافي.
النفط الليبي الشمعي
لكن في المقابل، ومابين جودة النفط الليبي وانخفاض نسبة الكبريت به، إلا أن جزء كبير من النفط الليبي يندرج ضمن ما يُعرف بالنفط “الشمعي”، وهو نوع يحتوي على نسب مرتفعة من البارافينات، ما يجعله عرضة للتجمد أو زيادة اللزوجة عند انخفاض درجات الحرارة، مما يعني أن نقله عبر الأنابيب أو تخزينه يتطلب تقنيات خاصة، أبرزها التسخين المستمر للحفاظ على سيولته، وذلك وفقًا لتقارير منظمة أوبك عن خصائص الخامات النفطية.
ويرى خبراء البترول أن هذا التحدي تكاليف إضافية على عمليات النقل والتداول، حيث تحتاج البنية التحتية إلى تجهيزات حرارية، سواء في خطوط الأنابيب أو في صهاريج التخزين، كما قد يتطلب الأمر تطوير بعض المصافي لتتلاءم مع خصائص هذا النوع من الخام، وهو ما قد يمثل عبئًا استثماريًا في المدى القصير، ورغم هذه التحديات، يرى خبراء أن التوجه المصري نحو النفط الليبي قد يحمل مزايا استراتيجية، أبرزها القرب الجغرافي الذي يقلل من تكاليف الشحن مقارنة بمصادر بعيدة، فضلًا عن تعزيز التعاون الإقليمي في قطاع الطاقة، كما أن تنويع مصادر الاستيراد يُعد خطوة مهمة لتأمين الاحتياجات المحلية في ظل تقلبات السوق العالمية، في الوقت نفسه، يظل التساؤل قائمًا حول مدى جاهزية البنية التحتية المصرية للتعامل مع هذا النوع من النفط بكفاءة، وما إذا كانت العوائد الاقتصادية ستفوق التكاليف الإضافية المرتبطة به.

تُظهر صور خطوط الأنابيب في ليبيا طبيعة البنية التحتية لنقل الخام، والتي تواجه تحديات تقنية مثل التسرب أو تراكم الشمع داخل الأنابيب، ما قد يعيق تدفق النفط عند انخفاض درجات الحرارة”، وفقًا لدراسات هندسية حول ترسيب الشمع في خطوط النفط.
بين جودة الخام الليبي وتحدياته التقنية، تقف مصر أمام معادلة دقيقة، تحقيق الاستفادة القصوى من مورد قريب وعالي الجودة، دون الوقوع في فخ التكاليف التشغيلية المرتفعة، ويبقى نجاح هذه الخطوة مرهونًا بمدى القدرة على التكيف الفني والاستثماري مع طبيعة النفط الليبي.
اقراء أيضًا: “Flintlock” التدريب العسكري الأمريكي في ليبيا: مناورات روتينية أم غطاء لإعادة رسم نفوذ واشنطن في أفريقيا؟
اقراء أيضًا: من الشهر العقاري إلى المرور: رحلة التوكيل المزور في يد العصابات