
إسراء أبو النصر
أجلت الحرب الأمريكية مع إيران القمة المرتقبة بين الرئيسين الصيني شي جين بينج، والأمريكي دونالد ترامب، بسبب مطالب واشنطن مساعدة بكين في مضيق هرمز، ورفض الأخيرة المشاركة، وسعى كلا الدولتين إلى تجنب الدخول في صراع مباشر، ويشتركان في الحرص على الاستقرار الحذر وتجنب الانهيار الكامل للعلاقة فيما بينهما، وأتاح قرار تأجيل زيارة ترامب لبكين، والتي كان مقررًا لها نهاية مارس الجاري مساحة دبلوماسية لرفع الحرج عن بكين لاستضافة ترامب، وتمنح واشنطن فرصة للتنسيق الدبلوماسي في مساعيها.
ومع اتجاه العالم نحو متعدد الأقطاب، تمثل الحرب علي إيران أكبر اختبار حتى الآن لحدود قوة واشنطن بشكل متزايد، خصوصًا مع رفض حلفاء واشنطن إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز، في المقابل اتجهت دول أخرى إلى تأمين ممر آمن لسفنها عبر المضيق على رأسها الهند، والتي يمر عبره نحو نصف وارادتها من النفط الخام ونحو 85% من وارادتها من الغاز البترولي المسال.
ولذلك نجد أن هناك خمسة أسئلة حرجة أمام بكين، تمثل الإجابة عليها معضلة في توجيه قرارها في الحرب الدائرة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، في مقابل إيران.

1ـ العوامل الكامنة وراء رد الصين في الشرق الأوسط، في تحديد علاقتها مع أمريكا؟ وهل تأجيل قمة شي وترامب يصب في مصلحة بكين؟
يمكن اعتبار طلب الرئيس ترامب من بكين إرسال سفن حربية للمساعدة في مضيق هرمز دليل على رؤية واشنطن لتغيير النظام العالمي، وحرص كلا البلدين على العودة للمفاوضات في العديد من الملفات علي رأسها مجال الرقائق الإلكترونية والتعريفات الجمركية وتايوان، خصوصًا مع عدم إدانة بكين لكل من واشنطن وتل أبيب عند اندلاع الحرب، حينما وصفتها بأنها حرب ما كان ينبغي أن تقع، في تعبير عام عن الأسف لما يحدث، وعدم الانحياز لطرف على حساب الأخر.

2ـ هل يمكن اعتبار مبدأ التعايش السلمي الصيني وعدم التدخل في شؤون الآخرين تخلي من بكين عن مصالحها مع طهران أم استمرار لسياسة الحياد؟
لا يمكن اعتبار أن بكين تخلت عن طهران، لأن عندما قررت واشنطن وتل أبيب مهاجمة طهران لم يستشيروا بكين في ذلك، ما يُعني أنه ليس على بكين مسؤولية الدخول في صراع مباشر مع واشنطن وتل أبيب بجانب طهران، كما لم يطلب وساطتها للسعي للحل في الوقت الراهن.
كما يؤخذ في الحسبان أن إمدادت بكين من الطاقة تأتي من طرفين رئيسيين هما طهران والرياض، ما يُعني حرص بكين على الحفاظ على علاقات جيدة مع كلا البلدين، لضمان إمدادتها من الطاقة، وهو ما يختلف كليًا عن طريقة تعامل بكين مع محيطها المباشر والتي غالبًا ما تكون قاسية وصدامية، كما هو الحال في التكيتكات العسكرية في المنطقة الرمادية مع الفلبين، والإكراه الاقتصادي مع أستراليا، بينما في الشرق الأوسط تظهر بكين رغبة أقل في الانحياز خارج محيطها المباشر.
ولا يُعني عدم تدخل بكين تخليها عن دورها في التأثير العالمي، فهي تهتم بهذا الدور من خلال الجغرافيا السياسية والاتفاقيات الاقتصادية والمؤسسات الدولية وغيرها، أما دور الوسيط العالمي فهي تبقيه على مستوي الشراكات.. ففي حالة طهران، قامت بكين بإجراء مناورات بحرية مشتركة مع طهران، وهي لم تكن في جوهرها نواة حلف ناتو جديد، بل وسيلة لتقييم تقنيات وقدرات الشركاء على التنسيق، كما لم تلزم تلك الاتفاقيات بكين بتقديم مساعدة لطهران في حالة واجهة مشكلة، كما أن طهران لم تطلب من بكين التدخل بشكل مباشر في حربها مع واشنطن وتل أبيب.
كما أن التواصل بين بكين وطهران يصب في اتجاه السماح باستثناء السفن الصينية من إغلاق مضيق هرمز، ما يصب في اتجاه العنصر التجاري، واستمرار تدفقات الطاقة لبكين دون انقطاع، وليس أي حل سياسي من شأنه إنهاء الحرب القائمة.
وفيما يتعلق بخطط الصين التنموية وعلى رأسها مبادرة الحزام والطريق، فدور طهران فيها يقتصر بنحو 90% على إمدادات الطاقة والـ10% المتبقية حول تعاون محدود حول التكنولوجيا والجيش، أي أنه يصب في حيز استثمار وتوظيف رأس المال الصيني، وما يهم بكين أنه أي ما كان النظام الذي سوف يحكم طهران ألا يقف في طريقها نحو التنمية، وفي رأينا أن الترتيبات التي ستنجم عن الحرب الحالية سوف تصب في مصلحة بكين.

3ـ ما هي الاستراتيجية التي تؤثر في السلوك الصيني العالمي؟
تفضل بكين استراتيجية اتباع الصمت وعدم إبداء آراء قوية تجاه المتغيرات العالمية ومتابعة رد الفعل الأمريكي، كما أنها لا ترى أي سبب يجعلها تتدخل في مسار الأحداث السياسية أو محاولات تغييرها في الواقت الراهن، لأن الأمور تسير علي ما يرام بالنسبة لبكين.
كما أنها تنظر بعين فاحصة مع ما يحدث، للاستفادة من الدروس في تجارب الدول، كما هو الحال في فشل استخدام قوة الضربات الجوية في محاولات تغيير الأنظمة الحاكمة، كما حدث سابقًا في الحرب العالمية الثانية في تشونغشينغ العاصمة الصينية المؤقتة والتي تعرضت للقصف أكثر من اي مدينة أخرى، إلا أنها لم تسبب في استسلام الحكومية القومية آنذاك، بل خلقت نوع من الروح المعنوية العالية التي ساعدتها على البقاء، رغم كونها استبدادية وهزمت على يد الشيوعيين فيما بعد، أو كما هو الحال مع طهران حاليًا.

4ـ ما هي المصالح الرئيسية لبكين في الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية علي إيران؟
تتمحور المصالح الصينية في الحرب حول ضمان الوصول الآمن لموارد الطاقة، وضمان استقرار المنطقة التي تمول جزءًا كبيرًا من موارد بكين النفطية، فليس من مصلحة بكين أي زعزعة للاستقرار في المنطقة والذي سيلقي بتباعته على استقرار سوق الطاقة، كذلك حماية مصالح مواطنيها واستثماراتهم والتي تأثرت سابقًا وكلفت بكين مليارات الدولارات.
كما أن استمرار الصراعات في الشرق الأوسط يعني اضطرار بكين للإخلال بشبكة علاقاتها المعقدة مع الشركاء الإقليميين، فتوسع رقعة الحرب مفادها اضطرار بكين لتعديل سياساتها الإقليمية، وهو ضد ما تحاول الصين فعله من خلال حفاظها علي صورتها كرائد للجنوب العالمي الذي يسعى للحفاظ على الاستقرار والتنمية، والتشكيك في قيادة واشنطن للنظام الدولي دون الحاجة للانخراط المباشر في الصراع.

5ـ هل سيؤثر الصراع في الشرق الأوسط على التنافس الاستراتيجي بين بكين وواشنطن؟
تهتم بكين بتجنب المواجهة غير الضرورية مع واشنطن، وتوفر الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية علي إيران فرصة لبكين لدراسة القدرات العسكرية الأمريكية والأساليب العملياتية، كما توفر نظرة أعمق نحو اللوجستيات وردود الفعل الإقليمية والعالمية علي العمليات العسكرية الأمريكية، ما يعني بشأن الصراعات المستقبلية المحتملة بما فيها تايوان، فالدروس المستفادة تنبع من دراسة التحركات الأمريكية ومدي أحتمالية قيام الصين بحركة ضد تايوان.
وقد يمنح الصراع في طهران نفوذ كبير لبكين، حيث تعتمد العديد من الصواريخ والطائرات المقاتلة علي معادن نادرة تحتاجها واشنطن في صناعاتها الحربية، والتي تملك منها مخزون يكفي لشهرين فقط، والتي تملك بكين منها مخزونات كبيرة، ما يمنحها الفرصة لإجراء مفاوضات بشأن التعريفات الجمركية.
كما أن إعلان طهران عن أن رسوم المرور في مضيق هرمز ستكون باليوان الصيني، من شأنه إضعاف هيمنة الدولار الأمريكي في قطاع تجارة الطاقة، وحتي وإن كان بنسبة ضئيلة، سيمثل نجاح غير مسبوق لتطبيع مبيعات الطاقة غير الدولارية والذي فشلت فيه سنوات طويلة من الدبلوماسية الصينية، وإذا ما دخلت بكين في عمليات إعادة الإعمار، من شأنه أن يرسخ من مكانتها كشريك في إعادة الإعمار في منشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه.
ترسي هذه المنافسة البراجماتية الأسس لتأكل النظام أحادي القطبية وإرساء النظام متعدد الأقطاب، حيث تتأكل التحالفات التقليدية، تكون فيه بكين وموسكو (قوتان مراجعتان ـ revisionist power) على غرار الاعتراف الأمريكي في العام 2017م، ومهما كان النظام الذي سوف يحكم طهران، فستظل بكين شريك أساسي تعتمد عليه طهران في عائدات النفط والغاز والتي بلغت أكثر من 80%، علي عكس بكين والتي تبلغ واردتها من النفط الإيراني نحو 13.4%.
لذا فإن المقامرة بالقول أن من خلال إسقاط الأنظمة الديكتاتورية في كل من إيران وفنزويلا يمكن عزل الصين اقتصاديًا، يتجاهل حقيقة أن الصين هي الأكبر أو ثاني أكبر اقتصاد عالميًا، ما يُعني ردود فعل انتقامية من بكين على غرار وقف بكين صادرات المعادن النادرة ردًا على الرسوم الجمركية، ما يلحق ضرر بواشنطن وحلفاؤها.