محمود حميدة..مارشال الفن السابع

محمود حميدة

كتب:-مصطفى علوان

من حي المطرية بالقاهرة بدأت حكاية محمود حميدة الذي ولد فيه في 7 ديسمبر 1953، لكن ملامحه وجوهر شخصيته ظلوا مرتبطين بطين الأرض وبساطة الريف، وهو ما شكل وعيه الفني المبكر حين كان عضواً بارزاً في فريق التمثيل بالمدرسة وبجميع مراحل التعليم، ورغم ملامح النبوغ الفني، سلك طريقاً أكاديمياً شاقاً بالتحاقه بكلية الهندسة عام 1970 التي استمر بها سبع سنوات، قبل أن يقرر تغيير مساره التعليمي بعد “فشله” في التخرج منها، لينتقل إلى كلية التجارة حيث وجد ضالته في مسرحها الجامعي الذي ظل مخلصاً له حتى تخرجه عام 1981.

لم يهرول حميدة خلف الشهرة فور تخرجه، بل بدأ حياتة بالعمل في إدارة المبيعات بشركة عالمية، بينما كان يمارس شغفه بالتمثيل والرقص مع فرق الهواة، حتى جاءت اللحظة الفارقة عام 1986 حين منحه المخرج أحمد خضر دور البطولة في مسلسل تليفزيوني لفت به أنظار الوسط الفني بكاريزما مغايرة وهدوء استثنائي، ممهداً الطريق لانطلاقة سينمائية مميزة قدم فيها شخصيات مركبة لا تعتمد على الصخب بل على بناء الشخصية من الداخل.

محمود حميدة بالجلباب الفلاحي

ولم يكتفِ حميدة بكونه “مشخصاتياً” بارعاً، بل تحول لصانع سينما بتأسيس شركة “البطريق” عام 1996، التي أنتجت فيلم “جنة الشياطين”، وهو العمل الذي صنف ضمن أهم 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية وحصد جوائز دولية عديدة، وصولاً إلى المرحلة الحالية، والتي كانت أخر حلقاتها مسلسل “فرصة أخيرة الذي لاقى استحسانا من الجمهور، ووصفه النقاد مسلسل “فرصة أخيرة”، حيث قدم مدرسة في “السهل الممتنع” لتجسيد شخصية متميزة في مسلسل فرصة أخيرة بأداء هادئ يعتمد على صدق التعبير، ليؤكد المستشار يحي الاسواني أنه سيظل ذاك “المثقف” الذي يرى السينما فعلاً حضارياً، والنجومية مجرد أثر يتركه الفنان في وجدان جمهوره.

فرصة أخيرة من أجل دراما رصينة

في مسلسله الأخير، لم يقدم المستشار “يحي الاسواني” مجرد أداء تمثيلي، بل قدم “تشريحاً نفسياً” هادئاً لرجل يجد نفسه فجأة أمام حطام حياة أسرية دامت لسنوات. جسد شخصية الأب والزوج الذي يحاول استيعاب الصدمة النفسية للانفصال، بعيداً عن الصراخ أو النواح الدرامي المعتاد
الأداء المتميز : تميز حميدة في هذا المسلسل بقدرته على استخدام “لغة الصمت”؛ فنظراته الحائرة وتفاصيل حركته داخل المنزل تعكس شعوراً بالاغتراب دائما، مما جعل المشاهد يشعر وكأنه يراقب إنساناً حقيقياً.
الرسالة الفنية: من خلال هذا الدور، أعاد حميدة تعريف “البطولة” في الدراما الاجتماعية؛ فهي ليست في القوة البدنية أو السيطرة او الصوت العالي والأداء المبالغ في في بعض الاوقات، بل في الشجاعة لمواجهة الانكسار والبحث عن فرصة ثانية للتصالح مع الذات ومع الآخرين، مؤكداً أن النضج الفني يصل لقمته عندما ينخرط الممثل داخل الشخصية بشكل حقيقي ودون انفعالات غير منطقية.


حضور هادئ وكاريزما مختلفة


مع بداياته في الدراما خلال ثمانينيات القرن الماضي، لفت حميدة الأنظار بملامحه الهادئة وصوته العميق وأسلوبه المختلف في الأداء، شارك في عدد من الأعمال التي توثق حضوره لدى الجمهور، من بينها “الوسية” و”الرجل والقطار”، حيث قدم شخصيات مركبة تجمع بين القوة والهدوء الداخلي
لم يعتمد حميدة في ادوارة على الصخب أو المبالغة في الأداء، بل اختار طريقاً مختلفاً يقوم على التفاصيل الدقيقة وبناء الشخصية من الداخل، وهو ما جعله واحداً من أكثر الممثلين قدرة على تجسيد التناقضات الإنسانية
السينما: محطة التألق والتجريب
في السينما، قدم فارس المدينة عدداً من الأدوار التي وضعت اسمه علي قائمة أبرز نجوم جيله. في فيلم “جنة الشياطين” قدم أداءً استثنائياً كشف عن قدرته على حمل فيلم كامل بشخصية معقدة ومليئة بالتناقضات والتفصيلات.
كما كان حضوره لافتاً في أفلام مثل “بحب السيما”، حيث استطاع أن يضيف عمقاً إنسانياً لشخصياته، مؤكداً أنه ممثل لا يبحث فقط عن البطولة، بل عن الدور الذي يترك أثراً لدي المشاهد.

فلسفة خارج الكادر

بعيداً عن الكاميرات والأضواء، لعل محمود حميدة أقرب إلى صورة “الفلاح المثقف”. رجل يعتز بخصوصيته، ويعرف عنه صراحته الواضحة التي قد تبدو صادمة أحياناً، لم يكتف بالتمثيل، بل ساهم أيضاً في دعم الثقافة السينمائية من خلال تأسيس الفن السابع التي صدرت في 1997، ، التي اهتمت بتوثيق وتحليل السينما المصرية.
ويظل اسمه حاضراً في تاريخ الفن المصري، ربما أن حميدة ينظر إلى الحياة ببساطة مختلفة؛ فهو يرى أن الامتداد الحقيقي للإنسان لا يقاس بعدد الجوائز أو الأضواء، بل بما يتركه من أثر في حياة من حوله.