
تشهد الساحة البرلمانية تحركات متزايدة لإعادة النظر في بعض مواد قانون الإيجار القديم، بعدما تقدم عدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ بمقترحات لتعديله، عقب أشهر من إقراره، في ظل استمرار الجدل حول تداعياته الاجتماعية والاقتصادية، نظرًا لارتباطه المباشر بعلاقة المالك والمستأجر.
وأعادت هذه المقترحات الملف إلى واجهة النقاش من جديد، بعدما كانت حدة الخلاف قد تراجعت نسبيًا مع بدء تنفيذ القانون وتحديد القيم الإيجارية الجديدة عبر لجان الحصر بالمحافظات، غير أن التطبيق العملي كشف، بحسب نواب، عن نقاط تستدعي إعادة التقييم.
ومع بدء أعمال مجلس النواب بتشكيله الجديد، رأى عدد من البرلمانيين أن المرحلة الراهنة تمثل فرصة مناسبة لإعادة فتح الحوار حول بعض البنود التي أثيرت بشأنها اعتراضات واسعة عند مناقشة القانون في يوليو الماضي، وفي هذا الإطار، طرح وكيل لجنة الإسكان بمجلس الشيوخ، أكمل فاروق، مقترحًا يتضمن استثناء المستأجر الأصلي وزوجته من شرط الإخلاء بعد انقضاء مدة السبع سنوات.
ويتضمن القانون، الذي يضم عشر مواد، إنهاء عقود الإيجار القديم بعد سبع سنوات للوحدات السكنية، وخمس سنوات لغير السكنية، ما لم يتم الاتفاق على الإنهاء المبكر بين الطرفين، كما نص على تشكيل لجان حصر بكل محافظة لتصنيف المناطق إلى متميزة ومتوسطة واقتصادية، وفقًا لمعايير محددة تتعلق بالموقع الجغرافي، وطبيعة المباني، ومستوى المرافق والخدمات.
ونظم القانون آلية احتساب الزيادات الجديدة في القيمة الإيجارية، لتصل إلى 20 ضعفًا في المناطق المتميزة بحد أدنى ألف جنيه، و10 أضعاف في المناطق المتوسطة والاقتصادية بحد أدنى 400 و250 جنيهًا على التوالي، كما نص على إتاحة بدائل سكنية للمستاجرين الذين لا يملكون وحدات أخرى، مع إعطاء أولوية للفئات الأكثر احتياجًا.
وبدأ تنفيذ القانون اعتبارا من مطلع سبتمبر الماضي، حيث انتهت لجان الحصر من أعمالها في معظم المحافظات، وتم تحديد القيم الإيجارية الجديدة للمستأجرين، على أن تستكمل بقية الأعمال خلال فبراير المقبل، وسط حالة من الترقب لما قد تسفر عنه المناقشات البرلمانية المقبلة بشأن إمكانية إدخال تعديلات تحقق مزيدًا من التوازن بين الأطراف المعنية.
أكد النائب حسين هريدي، عضو مجلس النواب عن حزب العدل، أن موقف الحزب من قانون الإيجار القديم واضح وثابت ولا يحتمل اللبس، مشددًا على أن جوهر القضية يرتبط بحماية الاستقرار السكني للمستأجر الأصلي، باعتباره الطرف الأضعف في العلاقة الإيجارية في كثير من الحالات.
وقال هريدي إن المستأجر الأصلي يجب أن يستمر في شغل الوحدة الإيجارية طالما أنه لا يزال مقيمًا بها إقامة فعلية، موضحًا أن الحديث عن الإخلاء أو إنهاء العلاقة الإيجارية لا يجوز أن يتم بصورة عامة ومجردة دون النظر إلى الظروف الاجتماعية والإنسانية لكل حالة.

وأضاف أنه إذا ثبت امتلاك المستاجر سكنًا بديلاً صالحًا للإقامة، فمن الطبيعي في هذه الحالة أن يتم تسليم الوحدة، أما إذا كان لا يمتلك أي مسكن أخر يأويه، فانه يجب أن يظل مقيمًا في وحدته طوال حياته، باعتبار أن السكن حق أساسي مرتبط بالأمن والاستقرار، مؤكدًا أن هذا الطرح يقوم على منطق بسيط وعادل يوازن بين الحقوق.
وأشار هريدي إلى أن أي معالجة تشريعية لقانون الإيجار القديم يجب أن تراعي البعد الاجتماعي إلى جانب البعد القانوني، وأن تحقيق التوازن بين حقوق الملاك وحقوق المستأجرين يتطلب حلولا مدروسة بعيدًا عن الانحياز لأي طرف.
وأعلن دعمه لإعادة القانون إلى مجلس النواب مرة أخرى لفتح باب المراجعة وإدخال التعديلات اللازمة عليه، لافتا إل أن التطبيق العملي كشف عن عدد من النقاط التي تحتاج إلى إعادة نظر وتقييم.
وكشف النائب أن حزب العدل يعمل حاليا على إعداد تصور متكامل لتعديلات مقترحة على قانون الإيجار القديم، بالتشاور مع المختصين والاستماع إلى آراء المواطنين، مؤكدًا أن الحزب سيعلن عن هذه التعديلات فور الانتهاء منها خلال الفترة القريبة المقبلة، في إطار السعي إلى تقديم معالجة تشريعية تحقق العدالة وتحافظ على الاستقرار المجتمعي.
أكد النائب المستقل ضياء داوود أن تعديل قانون الإيجار القديم أصبح ضرورة حتمية، مشددًا على أن استمرار تطبيقه بصورته الحالية يهدد بحالة من التفكك الاجتماعي ويفتح الباب أمام أزمات مجتمعية خطيرة تمس استقرار ملايين الأسر.

وأوضح أن النقاش الدائر حول القانون يجب أن يكون موضوعيًا ومتوازنًا، بعيدًا عن الاتهامات أو التخوين، لافتًا إلى أن بعض الملاك يهاجمون كل من يطرح وجهة نظر مغايرة، في حين أن القضية في جوهرها اجتماعية وإنسانية قبل أن تكون قانونية أو استثمارية.
وأشار إلى أن قوانين الإيجار القديم كانت جزءا من منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة، ارتبطت بمستويات الدخل والخدمات والحياة العامة، وساهمت على مدار عقود في تحقيق قدر من الاستقرار الأسري، وأضاف أن الاستقرار السكني بالنسبة لكثير من المواطنين ليس مجرد عقد قانوني، بل هو عيش مرتبط بحياتهم اليومية، تمامًا كما يطلق المصريون على رغيف الخبز كلمة عيش لارتباطه بمعيشتهم.
ولفت النائب إلى أن هناك حالة من القلق وعدم الاقتناع تسود بين قطاعات واسعة من المستأجرين، موضحًا أن العديد منهم يتعامل مع الأمر وكأن القانون لن يطبق فعليًا، رغم تخوفهم من احتمالات الإخلاء.
وشدد “ضياء” على ضرورة مراعاة الحالات الإنسانية عند إجراء أي تعديل، خاصة فيما يتعلق بالمستأجر الأصلي وزوجته وأبنائه المقيمين معه ممن لا يملكون مصدر دخل كاف أو مسكنًا بديلاً، متسائلاً إلى أين يذهب هؤلاء، وما هي البدائل التي ستوفرها الدولة لهم، وهل من المنطقي أن يُطلب من أسرة عاشت عقودا في حيها وشارعها أن تغادر دون توفير ضمانات حقيقية.
واختتم النائب تصريحاته بالتأكيد على أن أي تعديل تشريعي يجب أن يحقق التوازن بين حقوق الملاك وحق المواطنين في السكن الآمن والمستقر، داعيًا إلى حوار مجتمعي شامل يضمن حلولا عادلة ومستدامة للجميع.
وقال النائب إيهاب منصور رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي، إنه من الناحية النظرية يحق لمجلسي النواب والشيوخ إعادة النظر في قانون الإيجار القديم مرة أخرى، لكن من الناحية العملية فإن تركيبة المجلس الحالية هي ذاتها التي أقرت القانون في صورته الماضية، وهو ما يجعل احتمالات تعديله محدودة.

وأوضح “منصور” أن من حق أي مواطن اللجوء إلى القضاء ورفع دعاوى قانونية، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة إعادة تعديل القانون، مشيرًا إلى أن ما حدث ويحدث هو في الأساس اختلاف في وجهات النظر حول بعض بنوده وتداعياته.
وأضاف أنه لا يرى أن المشكلة تكمن في نصوص القانون ذاتها بقدر ما تكمن في مرحلة ما بعد انتهاء مدة السبع سنوات، متسائلا عما سيحدث للمواطنين غير القادرين على تدبير قيمة الإيجار بعد انتهاء هذه المهلة، وهو ما يتطلب تدخلاً واضحًا من المؤسستين التنفيذية والتشريعية.
وأكد أن دور مجلس النواب لا يقتصر على التشريع فقط، بل يمتد إلى الرقابة على أداء الحكومة، لافتا إلى أنه يعد حاليًا طلب إحاطة لمناقشة آليات التعامل مع غير القادرين على سداد القيمة الإيجارية في الوقت الراهن، قبل الوصول إلى مرحلة انتهاء المدد القانونية.
وأشار “منصور” إلى أن الحل قد يكون في تولي الحكومة سداد جزء من القيمة الإيجارية نيابة عن الفئات الأكثر احتياجًا، وعلى رأسهم أصحاب المعاشات، مقترحًا أن تتحمل الدولة نسبة تصل إلى 80% من قيمة الإيجار لهذه الفئات، نظرًا لما يمثله الأمر من عبء بالغ الصعوبة عليهم في ظل أوضاعهم المعيشية.
قال عضو مجلس الشيوخ، ياسر قورة، إنه يتوقع إعادة قانون الإيجار القديم مرة أخرى إلى البرلمان لإعادة النظر في دراسته، موضحًا أن القانون لم يحصل على الوقت الكافي للنقاش قبل إقراره، خاصة أنه صدر في نهاية الدورة البرلمانية الماضية، عقب صدور حكم المحكمة الدستورية في نوفمبر.
وأوضح “قورة” أن صدور القانون في ذلك التوقيت جاء بشكل عاجل لحماية المواطنين، مشيرًا إلى أنه في حال عدم إقراره كان سيتم تطبيق الحكم القضائي مباشرة، وهو ما كان سيؤدي إلى اخلاء عدد كبير من الوحدات وتعريض المواطنين لخطر فقدان مساكنهم، وأضاف أن الصيغة التي خرج بها القانون كانت بمثابة حل مؤقت لتفادي تداعيات فورية، إلا أنها تحتاج إلى إعادة دراسة متأنية للوصول إلى معالجة أكثر توازنًا.
وأعرب عن اعتقاده بأن هناك احتمالًا كبيرًا لإعادة مناقشة القانون بصورة أكثر تفصيلاً، بما يحقق الصالح العام ويمنع وقوع أي ظلم سواء على المالك أو المستأجر.

وأكد “قورة” أن من أهم البنود التي تستوجب إعادة النظر مسألة الزيادات في القيمة الايجارية، مشيرًا إلى أنها كان من المفترض أن تكون تدريجية وليست مفاجئة، نظرًا لاختلاف طبيعة العقود وتواريخ إبرامها، حيث توجد عقود تعود إلى التسعينات وأخرى أقدم من ذلك كانت تدفع قيمًا زهيدة للغاية، وهو ما أدى إلى تفاوت كبير في حجم الزيادات بين حالة وأخرى.
وشدد على ضرورة وضع آلية واضحة لتدرج الزيادات على مدار عامين على الأقل، حتى لا يتحمل المواطن قيمة كبيرة دفعة واحدة، بما يراعي الأوضاع الاقتصادية للمستأجرين.
كما دعا إلى إعادة دراسة مدد الخمس سنوات والسبع سنوات بالنسبة للوحدات التجارية والادارية، مع فتح باب التصالح ووضع نص قانوني ينظم التفاوض بين المالك والمستأجر وفق اسس محددة، من بينها تقييم الوحدة تقييما عادلا، ومنح المالك حق الحصول على نسبة 50% من قيمتها السوقية كتعويض مناسب، بما يتيح مخارج بديلة عن الإخلاء بعد انتهاء المدة، ويضمن عدم الإضرار بأي من الطرفين.
جدير بالذكر أن النائب عاطف مغاوري، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع، قد تقدم بطلب مناقشة عامة بشأن تقييم الأثر التشريعي لقانون الإيجار القديم رقم 164 لسنة 2025، وذلك بعد بدء العمل به اعتبارا من 1 سبتمبر 2025.
وأوضح “مغاوري” أن طلبه جاء على خلفية المشكلات التي ظهرت عقب انتهاء لجان المحافظات من تصنيف المناطق إلى مميزة ومتوسطة واقتصادي، وفقًا لقرار رئيس مجلس الوزراء، وما تبع ذلك من زيادات كبيرة في القيمة الإيجارية، حيث ارتفعت الأجرة إلى 20 ضعفًا في المناطق المميزة و10 أضعاف في المناطق المتوسطة والاقتصادية.
وأشار إلى أن هذه الزيادات ترتب عليها ارتفاع فوري في القيم المستحقة، إلى جانب تحميل المستأجر فروقات مالية عن الفترة من تاريخ سريان القانون وحتى موعد استحقاق الأجرة الجديدة، ما شكل عبئا ماليًا ثقيلاً على عدد كبير من المستأجرين، وعرضهم لمخاطر التعثر والطرد والإخلاء، فضلاً عن تصاعد الخلافات بين الملاك والمستأجرين بما يهدد الاستقرار الاجتماعي.
ولفت النائب إلى أن مدد السبع سنوات للوحدات السكنية والخمس سنوات للوحدات التجارية لم تحقق الغاية المرجوة، في ظل عدم قدرة شريحة من المستاجرين على الالتزام بالقيم الإيجارية الجديدة.
كما نبه إلى ضعف الإقبال على التسجيل في منصة البديل التابعة لوزارة الإسكان، وهو ما دفع الوزارة إلى مد فترة التسجيل حتى 12 أبريل 2026، بما يعكس وجود تحديات تتعلق بمدى ملائمة البدائل المطروحة.
وأكد “مغاوري” ضرورة إعادة فتح النقاش البرلماني حول القانون، وبحث الأسباب والنتائج بشكل دقيق، خاصة في ظل نقص البيانات التي قدمتها الحكومة أثناء مناقشة مشروع القانون، وهو ما تم تسجيله خلال جلسة المجلس في 1 يوليو 2025.
وطالب بتوفير إحصاءات واضحة حول عدد المستأجرين الأصليين، وحجم الوحدات المغلقة وتصنيفها سواء إيجار أو تمليك، ومدى تناسب البدائل من حيث الموقع والتكلفة، مع مراجعة الطلبات المقدمة عبر منصة البديل للتأكد من استحقاقها.
وشدد على أهمية مراجعة الأرقام وتدقيقها، لاسيما مع اقتراب موعد الإحصاء الدوري في 2027، ومقارنتها ببيانات عامي 2006 و2017، للوقوف على الحجم الفعلي للمشكلة وقياس أثر تطبيق القانون.
واختتم بالتأكيد على أن متابعة تنفيذ القانون مسؤولية تشريعية تقتضي توافر معلومات دقيقة من الحكومة، بما يضمن تحقيق التوازن بين حقوق الملاك والمستأجرين، والحفاظ على التماسك والاستقرار الاجتماعي.