بين التوسع العمراني والتغير المناخي.. طيور وحيوانات في طريقها للاختفاء

نهاد شعبان

لم يكن مشهد أسراب الطيور وهي تملأ السماء، أو أصوات بعض الحيوانات في الحقول والقرى، أمرًا نادرًا كما هو اليوم، فقد كانت مصر بتنوعها البيئي بين النيل والدلتا والصحراء، موطنًا طبيعيًا لعدد كبير من الكائنات التي كانت جزءًا من الحياة اليومية، لكن مع مرور السنوات اختفى بعضها تقريبًا، وتراجع وجود البعض الآخر بشكل لافت، في ظاهرة سميت بـ”الاختفاء الصامت”.

ففي الماضي القريب، كان من المعتاد رؤية طائر العصفور الدوري بكثرة على أسطح المنازل وفي الشوارع، حيث كان صوته جزءًا من صباحات المدن والقرى، اليوم يلاحظ كثيرون تراجع أعداده بشكل واضح، خاصة في المدن الكبرى، نتيجة التغيرات العمرانية واختفاء المساحات الخضراء التي كان يعتمد عليها في الغذاء والتكاثر.

كما أن الأمر لا يقتصر على العصافير فقط، بل يمتد إلى طيور أخرى مثل الهدهد، الذي كان رمزًا مألوفًا في الحدائق والأراضي الزراعية، قبل أن يصبح ظهوره أقل بكثير مما كان عليه، ويرجع ذلك إلى استخدام المبيدات الحشرية التي قللت من مصادر غذائه الأساسية، إضافة إلى فقدان البيئة المناسبة للعيش.

أما أبو قردان، الذي كان يُشاهد دائمًا بجوار الفلاحين وفي الحقول، فقد تأثرت أعداده أيضًا، رغم أنه لا يزال موجودًا، لكن بنسب أقل في بعض المناطق نتيجة التوسع العمراني وتغير أنماط الزراعة.

وفي عالم الحيوانات، لم يكن الحال أفضل، فقد كان الغزال المصري أحد الحيوانات التي عاشت في صحارى مصر، لكنه أصبح اليوم من الأنواع النادرة بسبب الصيد الجائر وفقدان بيئته الطبيعية، كذلك، شهد الثعلب الأحمر تراجعًا في بعض المناطق، نتيجة التوسع البشري والاقتراب من بيئته الطبيعية.

وهذا التراجع لا يحدث بشكل مفاجئ، بل هو نتيجة تراكمات طويلة من التغيرات البيئية والسلوكية، من أبرز هذه الأسباب التوسع العمراني السريع، الذي أدى إلى تدمير الموائل الطبيعية، بالإضافة إلى التلوث واستخدام المبيدات الكيميائية، التي لا تقتل الحشرات فقط، بل تؤثر على السلسلة الغذائية بالكامل، كما يلعب التغير المناخي دورًا مهمًا في تغيير أنماط هجرة الطيور، ما يجعل بعض الأنواع أقل ظهورًا في مصر مقارنة بالسابق، حيث أن بعض الطيور المهاجرة التي كانت تمر بانتظام، أصبحت تغير مساراتها أو تقل أعدادها بسبب اضطرابات المناخ، ورغم هذا التراجع، لا يزال هناك أمل في استعادة التوازن البيئي، حيث أن الحفاظ على المساحات الخضراء، وتقليل استخدام المبيدات، وإنشاء محميات طبيعية، كلها خطوات يمكن أن تسهم في عودة هذه الكائنات تدريجيًا، كما أن نشر الوعي البيئي بين المواطنين يُعد عنصرًا أساسيًا، لأن حماية هذه الكائنات لا تقع فقط على عاتق الدولة، بل هي مسؤولية مجتمعية مشتركة، فكل شجرة تُزرع، وكل سلوك بيئي صحيح، يمكن أن يكون له تأثير في إعادة الحياة إلى أماكن كانت يومًا مزدحمة بالكائنات.