بين جلباب الأب والكاميرا.. أبناء الفنانين بين اختبار الموهبة واتهامات التوريث

مصطفى علون

تحولت السينما مؤخرًا في الكثير من جوانبها إلى ما يشبه “المملكة الخاصة” التي تُسلم فيها شعلة النجومية من الآباء إلى الأبناء تحت شعار ‘ابن الوز عوام”، وهي ظاهرة وضعت الجيل الجديد بين فكي المشاهد والنقاد، فإما أن يستثمر هذه “التأشيرة المجانية” لإثبات جدارة حقيقية، أو السقوط في فخ المقارنة الظالمة مع تاريخ سلفهم، وفي ظل هذا المشهد المعقد، تظل الكاميرا هي الحكم الأخير الذي لا يجامل، فبينما ينجح البعض في الخروج من جلباب أبيه، يظل الآخرون مجرد أسماء على “التتر” تعيش في ظل مجدٍ قديم، مما يطرح تساؤلاً جوهريًا: هل تخدم “المحسوبية الفنية” الصناعة، أم أنها تخنق المواهب الشابة التي لا تملك سوى الحلم؟.

نجح مؤخرًا عدد من أبناء الفنانين في لفت الأنظار بأداءٍ نال استحسان الجمهور والنقاد على حد سواء، ويأتي في مقدمتهم الفنان أحمد خالد صالح، الذي أثبت موهبته في عدة أعمال، أبرزها تجسيده لشخصية “منصور” في مسلسل نسر الصعيد، ودور “يوسف” في مسلسل 30 يوم.

وعلى ذات النهج، استطاع الفنان الراحل هيثم أحمد زكي أن ينال إعجاب الجمهور والنقاد معًا، فرغم قصر مسيرته الفنية، إلا أنها كانت حافلة بأعمال ذات قيمة عالية سينمائيًا، وترك أثرًا في أفلام عديدة منها البلياتشو، وكف القمر، أما في الدراما التلفزيونية، فقدم أدوارًا متنوعة في مسلسلات مثل دوران شبرا، والسبع وصايا، وكلبش 2، وصولاً إلى آخر أعماله قبل رحيله عام 2019 في مسلسل علامة استفهام.

وعلى النقيض، واجه الفنان محمد عادل إمام تحديات نقدية وجماهيرية واسعة؛ حيث طالته انتقادات تشير إلى تأثره الشديد بأسلوب والده الزعيم عادل إمام ومحاولة تقليده، وهو ما وضعه دائمًا في محل مقارنة، ورغم هذه الانتقادات، استطاع محمد إمام أن يحقق حضورًا قويًا من خلال تنوع أدواره بين الكوميديا والأكشن؛ فكان فيلم كابتن مصر عام 2015، نقطة انطلاقه الحقيقية كبطل سينمائي، لتتوالى بعدها أعماله الناجحة مثل جحيم في الهند، وليلة هنا وسرور، ولص بغداد، أما على صعيد الدراما التلفزيونية، فقد حظي بمتابعة كبيرة من خلال مسلسلات مميزة أبرزها هوجان، ولمعي القط.

وفي هذا الإطار، علقت الناقدة ماجدة موريس، بأن:” الموهبة في المقام الأول هبة من عند الله، ولكن عادةً ما يكون في المجتمع المصري شغف بمهنة الآباء، وهذا ليس في صناعة السينما فقط؛ لأن نجاح الأب يؤثر على الأبناء، وهذا النجاح يظهر في السينما بشكل أكبر من أي مهن أخرى، ويأتي تأثر أبناء الفنانين والفنانات من كون السينما عملاً يحقق الشهرة والمكسب المربح، وأيضًا ضمن هذه الأسباب هي السوشيال ميديا واهتمامها بحياة الفنانين والفنانات؛ وبالتالي هذه الدوافع خلقت عند أبناء فنانين وفنانات كثيرين رغبة الدخول إلى عالم السينما، مما جعل بعضهم لا يهتم بكونه موهوبًا أم لا”.

وأضافت موريس لـ”ليبرالي” أن:” الفرص بين الشباب ليست متكافئة بسبب الشللية، وهذا ينطبق على كثير من المجالات وليس فقط السينما؛ والشللية في الفن أحيانًا كثيرة تقتل مواهب شابة، كما أنها لا تفيد الصناعة بل تقتل المواهب”.

وفي السياق، يرى الناقد حسين حمودة أن ظاهرة توارث الإبداع بين الأجيال “الأبناء والآباء” ظاهرة ضاربة في القدم ومتجددة باستمرار، وتتخذ أشكالاً عدة؛ فمنها ما يعتمد فيه الاسم الجديد على شهرة الاسم السابق، ومنها ما ينفصل بتجربة ذاتية مستقلة يعمل صاحبها على صقلها وتطويرها، وصولاً إلى الموهبة الحقيقية التي تفرض مكانتها بجدارة دون الاتكاء على تجربة الآخرين أو تلقي رعاية مسبقة.

وأوضح “حمودة” أنه: “بناءً على ذلك، يمكن ملاحظة وجود مبدعين من أبناء أو أقارب فنانين سابقين نجحوا في إثبات شخصيتهم الفنية المستقلة وفرضوا حضورهم عبر موهبتهم الخاصة، وفي المقابل قد يكتفي البعض بمجرد الانتساب لأسماء فنية كبيرة سبقتهم، وهو أمر طبيعيًا تمامًا؛ حيث أن تفاوت القدرات الإبداعية سُنة جارية، سواء كان المبدع ينتمي لعائلة فنية أم لا.”