
خالد البرماوي: جيل المنصات ليس جاهلاً بل يعرف بطريقته الخاصة
حسام مؤنس: غياب المجال العام أضعف الوعي السياسي للأجيال الجديدة
في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، والتي أسهمت في تشكيل الوعي الفردي والجماعي، لم تعد الأسرة أو المدرسة أو حتى وسائل الإعلام التقليدية هي المصدر الأساسي لتنشئة الأجيال الجديدة، وبالأخص من يطلق عليهم جيل “Z”، والمقصود به المولودون من منتصف التسعينيات حتى عام 2010، وكذلك جيل ألفا الذي يشمل المولودين من عام 2010 وحتى الوقت الحالي.

وتشير التقديرات إلى أن ما يقرب من 30% إلى 35% من سكان مصر ينتمون إلى هذا الجيل،أي ما يعادل تقريبًا ثلث المجتمع، وهو ما يجعل هذه الفئة من أكثر الفئات تأثيرًا في الحياة العامة، بما في ذلك السياسة والانتخابات خلال السنوات المقبلة، فهل يعقل أن ننتظر من جيل تأثيرًا فاعلاً في وقت تتحكم في تشكيل وعيهم منصات مثل “تيك توك وانستجرام”، وهل فقد هذا الجيل ارتباطه بالتاريخ؟.

“جيل فاشل”
رغم أن هذا الجيل يوجه له الكثير من الانتقادات إلا أنه على مر العصور، اعتادت الأجيال الأكبر سنًا أن تردد على مسامع الأبناء عبارة: “أنتم جيل فاشل”، لكن الجيل الجديد أعاد طرح هذا الاتهام للنقاش، وربما جعل البعض يدرك أن هذه العبارة لم تكن دائمًا تعبيرًا عن حقيقة، بقدر ما كانت وسيلة ضغط أو تحفيز، حيث تقول إحدى المعلمات على المعاش، لديها ثلاثة أبناء أنهوا مراحل تعليمهم المختلفة، إنها كانت بالفعل تردد مثل هذه الكلمات لأبنائها، لكن ليس لأنهم بالفعل “فاشلون”، بل كنوع من التحفيز لهم لتطوير أنفسهم.
وأضافت لـ”ليبرالي”:” كنت بقولهم أنتم جيل فاشل عشان يهتموا بمذاكرتهم، مش تقليل من مجهودهم، وعلى فكرة الكلام كان بيجيب فايدة، وكنت دايمًا بأكد لهم إن القراءة غذاء العقل، يعني ماتتعلموش وتذاكروا عشان بس تجيبوا درجة كويسة في الامتحان، لازم تحافظوا على المعلومة لأنكم هتحتاجوها”، متابعة:” عندي بنت كانت متفوقة في دراستها، لكن مكانتش بتحب تذاكر التاريخ كتير، وكانت تقولي هعمل بيه إيه؟ وكنت دايما أقولها عشان تفهمي الدنيا كانت ماشية إزاي واتطورت إزاي، وعشان يبقى عندك انتماء حقيقي لبلدك فيه ناس تعبت عشان إحنا نعيش مرتاحين، وكمان عشان تتعلمي من النجاحات والأخطاء، ولأن اللي عايز يخطط لمستقبله لازم يفهم الماضي”.
وأشارت كذلك إلى خبرتها في التعامل مع الأجيال المختلفة بحكم عملها في مدرسة ثانوية، قائلة:” أنا اتعاملت معاهم بشكل مباشر بحكم شغلي في مدرسة ثانوية، الجيل الجديد فعلا جيل متمرد، مش عاوز يتعلم ولا يتوجه ولا يسمع لحد، جيل صعب فعلا، إحنا جيل ولادنا كانوا نعمة مقارنة بالجيل ده، وكانوا مهتمين بتاريخ بلدهم، مش زي دلوقتي… مش عاوزين يسيبوا الموبايلات من إيديهم”.
ومع الحديث مع عدد من أبناء هذا الجيل، يظهر بوضوح غياب الثقافة التاريخية والسياسية لدى كثير منهم، حتى إن البعض لا يعرف أبسط المعلومات، مثل عدد رؤساء مصر وأسمائهم، فمن خلال حديثنا مع عدد من أبناء هذا الجيل حول عدد من المعلومات العامة والتاريخية والسياسية، أسفرت عن غياب معرفة واضحة.


وهنا تبرز أزمة مجتمعية حقيقية تثير العديد من التساؤلات هل الأجيال الجديدة لم يكن لديها وعي ومعرفة ؟ ومن المسؤول عن غياب الثقافة التاريخية والسياسية؟ وهل تتحمل الأسرة المسؤولية، أم المدرسة، أم وسائل الإعلام؟
وعي سريع بلا عمق

في هذا السياق قال خالد البرماوي، الصحفي المتخصص في الإعلام الرقمي، أنه لا يمكن التعميم أن هذا الجيل يفتقد الوعي أو يفتقد الدراية بشكل كامل، الحقيقة أن هذا الجيل لديه وعي، لكنه وعي يتناسب مع طبيعته ومع اهتماماته، مؤكدًا ليس جيلا خاليًا من المعرفة، بل جيل يمتلك نوعًا مختلفًا من المعرفة، مرتبطًا بسياقه وبالبيئة التي نشأ فيها.
وتابع “البرماوي” حديثه قائلاً:” نحن نتحدث عن جيل تربى في الأساس على المنصات الرقمية، وهذه المنصات تحكمها الخوارزميات، التي تجعل كل فرد محاطًا بدائرة ضيقة من الاهتمامات، لذلك، تجد أن وعي هذا الجيل يتشكل داخل إطار اهتماماته الخاصة، سواء كانت رياضية أو فنية أو ترفيهية أو مرتبطة بأسلوب الحياة، وحتى اهتمامه بالأخبار يأتي غالبًا في سياق سريع ومختصر، وأحيانًا من منظور عالمي، ولكن دون تعمق كافٍ في الخلفيات والسياقات”.
وأشار إلى أن المشكلة ليست في غياب الوعي تمامًا، بل تكمن في غياب العمق داخل منظومة الوعي، حيث أن وعيهم مبني على طبيعة جيلهم في ظل اهتمامهم المتزايد بالتكنولوجيا، وهذا الأمر هو المفتاح الأساسي لفهم هذا الجيل.
وأضاف “البرماوي” أن كل جيل يكن احتراما للأكبر منه، حيث أن المتعارف عليه أن “الأكبر سنًا هو الأكثر خبرة ودراية، لأن الخبرة كانت مرتبطة بتجارب الحياة وتراكمها، لكن هذه المعادلة شهدت خللًا واضحًا في عصرنا الحالي، لأن سمة العصر وجودة المعرفة أصبحت مرتبطة بالجانب التكنولوجي، وبالتالي، يشعر الجيل الجديد أنه الأكثر معرفة بسمة العصر، وهو ما يخلق فجوة في التواصل مع الأجيال السابقة، التي ترى أن الخبرة الحياتية لا تزال هي الأساس.
أما عن غياب الثقافة السياسية أو التاريخية، أكد أنه لا يمكن تحميل المسؤولية لطرف واحد، لأن المسئول عنها أطراف كثيرة جدا، منها المنظومة التعليمية، والإعلام، ودور المجتمع المدني، لكن تظل المنصات الرقمية عاملًا رئيسيًا في تشكيل هذا النمط من الوعي السريع والمجزأ ويقع عليها اللوم الأكبر.
وفي المقابل، أعرب عن توقعه أن الأجيال الجديدة، بما فيهم جيل ألفا، سيعيدون التوازن إلى العالم، بما يمتلكونه من سمات إيجابية مهمة؛ حيث أنهم أكثر انفتاحًا على العالم، والأكثر أخلاقيًا، والأكثر تقبلًا للآخر من الأجيال الأخر، وأكثر اهتمامًا بالقضايا الإنسانية، كما يمتلك قدرة عالية على التواصل، وإن كان هذا التواصل في معظمه رقميًا، لكن في الوقت نفسه، يعاني من بعض التحديات، مثل التسرع، والنزوع إلى العزلة، وضعف القدرة على التفاعل مع السياقات التاريخية أو فهم الأجيال السابقة بشكل عميق.
غياب المجال العام

من جانبه، قال حسام مؤنس، الكاتب الصحفي والناشط السياسي، :” للأسف تختلف مصادر المعرفة لدى الأجيال الحالية اختلافًا كبيرًا عما كانت عليه لدى الأجيال السابقة، فشباب اليوم يحصلون على معلوماتهم بدرجة أساسية من منصات رقمية، لا تقدم بالضرورة معرفة متكاملة أو عميقة، بقدر ما تُسهم في تشكيل وعي خاص بهم، لذلك لا يمكن القول إنهم يفتقرون إلى الوعي أو الثقافة، بل يمتلكون نمطًا مختلفًا من الوعي، قد يبتعد في بعض جوانبه عن الأطر التقليدية التي اعتدنا عليها”.
. وأشار “مؤنس” في حديثه لـ “ليبرالي” إلى أن:” هذا الواقع المؤسف، يتحمل جانبًا كبيرًا منه ممن أسهم في إغلاق المجال العام، حيث أن غياب الأطر التنظيمية والسياسية، بل وحتى الأهلية والطلابية داخل الجامعات التي كانت تاريخيًا بيئة خصبة لتشكيل الوعي والمعرفة بشكل أعمق أدى إلى فراغ كبير، موضحا أنه في ظل هذا الغياب، أصبح الشباب يعتمدون بشكل شبه كامل على وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، بما في ذلك تطبيقات لم تكن ضمن الدوائر التقليدية الأكثر انتشارًا سابقًا”.
وأكد أن :” إغلاق المجال العام، رغم ما قد يشهده أحيانًا من انفتاح محدود، قد أسهم في هذا الوضع، فغياب الأحزاب الفاعلة، وضعف التنظيمات، وتراجع دور الاتحادات الطلابية، وضمور العمل العام داخل الجامعات والمدارس، كلها عوامل أثّرت سلبًا على تكوين الوعي السياسي والاجتماعي لدى الشباب، وقد ظهر ذلك بوضوح في التجارب الميدانية؛ فخلال إحدى التجارب الانتخابية، كان من اللافت أن بعض الشباب المنتمين لأحزاب سياسية لا يمتلكون معرفة حقيقية بطبيعة انتمائهم أو المفاهيم الأساسية للعمل السياسي، إذ إن مشاركتهم غالبًا ما تقتصر على الحشد أو حضور الفعاليات، دون إدراك عميق لمعاني السياسة أو التوجهات الفكرية أو البرامج الحزبية، وهو ما يعكس غيابًا حقيقيًا لعمليات التأهيل والتثقيف، وافتقادًا لتبادل الخبرات بين الأجيال”.

وتابع “مؤنس” أن:” الأمر لا يقتصرعلى المجال السياسي فقط، بل يمتد أيضًا إلى وسائل الإعلام، حيث تراجع الدور التوعوي والتثقيفي للإعلام مقارنةً بالماضي، حين كانت هناك برامج ومحتويات تُسهم في رفع الوعي العام وربط الجمهور بقضايا المجتمع والإنتاج والعمل، أما اليوم، فلم يعد هذا الدور حاضرًا بنفس القوة أو التأثير، مشيرا إلى أن المجتمعات الطبيعية التي تتمتع بقدر كافٍ من الحرية، يُفترض أن تقوم الأحزاب بدور “المدارس” التي تتخرج الكوادر السياسية وتُنمّي وعيها، أما حين تكون الأحزاب شكلية أو منشأة بقرار من السلطة، فإن مفهوم السياسة ذاته يتعرض للتشويه، وتفقد هذه الكيانات دورها الحقيقي في بناء الإنسان السياسي الواعي، ومن ثم، فإن إصلاح هذا الوضع يقتضي إعادة فتح المجال العام، وتفعيل دور الأحزاب والتنظيمات، وإحياء العمل الطلابي، إلى جانب استعادة الإعلام لدوره التثقيفي، بما يضمن تكوين وعي حقيقي ومتوازن لدى الأجيال الجديدة”.