
سمر أبو الدهب
البنك الرقمي يهدد موظف الشباك.. الثورة المالية تصل مصر
الرقمنة تشتعل في مصر.. البنوك الرقمية تواجه تحديات الثقة والأمان
من التطبيق إلى البنك.. كيف يغير “جيل الديجيتال” قواعد اللعبة؟
بعد النجاح الذي حققته منظومة “إنستا باي” وجذبها لـ 16 مليون مستخدم حتى نهاية 2025، انتقل الطموح المصري من مجرد تطبيق للتحويل إلى بنك متكامل يسكن الهواتف، لكن هذا التحول لا يبدو مفروشًا بالورود؛ حيث يصطدم طموح “جيل الديجيتال” بجدار صلب من التحديات، تبدأ من هاجس الأمان السيبراني في فضاء متقلب، وصولاً إلى أزمة الثقة لدى قطاع عريض من المصريين الذين لا يزالون يربطون أمان مدخراتهم بجدران البنوك والختم الحي، فهل ينجح “البنك الرقمي” في كسر هذه الثقافة الموروثة، أم أن غياب الفروع التقليدية سيظل العائق الأكبر أمام السيطرة الكاملة على السوق؟

بين جدران البنك وسرعة “الأبلكيشن”
أحمد خالد، مصمم جرافيك “فريلانسر”، قال إن معاناته الدائمة مع ختم الموظف وطلب سجل تجاري لفتح حساب بسيط جعلته ينتظر البنوك الرقمية بفارغ الصبر، حيث يرى أحمد أن جيله لا يملك الرفاهية لانتظار طوابير الصباح، وأن السهولة التي وجدها في تطبيق “إنستا باي” رفعت سقف توقعاته؛ فهو يريد بنكًا يمنحه قرضًا أو يفتح له وديعة بضغطة زر واحدة وهو في منزله، وهو ما يضع البنوك التقليدية في مواجهة تحدي وجودي قد يغير ملامح القطاع للأبد.

قواعد اللعبة تتغير
في تحليلها للمشهد، أكدت الدكتورة بسمة سليم، المدرس المساعد بكلية إدارة الأعمال والاقتصاد، والخبيرة المصرفية، أن توجه الدولة نحو ترخيص البنوك الرقمية يمثل نقطة تحول تتجاوز مجرد التحديث التقني.
وأوضحت “سليم”، أننا أمام مرحلة إعادة هيكلة شاملة، حيث تتبنى هذه البنوك نموذج عمل مرن وتكلفة منخفضة، مما يضع حصة البنوك التقليدية في خطر حقيقي، خاصة وأن المنافسة ستشتد بضراوة على استقطاب الشباب ورواد الأعمال، وهم الفئات الأكثر ميلاً للسرعة والتعاملات غير الورقية.

صراع الأرباح والخدمات المجانية
وأشارت الخبيرة المصرفية إلى أن الضغط لن يتوقف عند حدود المنافسة على العملاء، بل سيمتد ليطال هوامش الربحية؛ فالبنوك الرقمية تمتلك هيكل تكلفة “أخف” بنسبة تتراوح بين 40% إلى 60% مقارنة بالبنوك التقليدية، نظرًا لغياب مصاريف تشغيل الفروع المادية من إيجارات وعمالة ضخمة، مشيرة إلى أن هذا الفارق سيسمح للبنوك الجديدة بتقديم خدمات بأسعار أقل، مما سيجبر المؤسسات التقليدية على تسريع استثماراتها التكنولوجية للبقاء في الحلبة، وإعادة توزيع الحصص السوقية بناءً على قدرة كل مؤسسة على التكيف مع متطلبات السوق الجديدة.

الشمول المالي.. هل تخدم الرقمنة “المهمشين”؟
وشددت “سليم” على أن هذه البنوك ستلعب دورًا حاسمًا في تعزيز الشمول المالي، خاصة مع وصول نسبة انتشار الهواتف الذكية في مصر إلى مستويات قياسية تتخطى 90% بين فئات الشباب، مؤكدة أن هذه الكتلة الرقمية تراهن عليها البنوك الجديدة لدمج الفئات التي كانت بعيدة عن المنظومة الرسمية، خاصة في المناطق النائية وأصحاب المشروعات الصغيرة، إذ أن إجراءات فتح الحساب المبسطة والخدمات المتاحة على مدار الساعة تخلق بيئة خصبة للابتكار المالي وتشجع الشراكات الواسعة مع شركات التكنولوجيا المالية.

مستقبل “موظف الشباك” وأمن المدخرات
وبالرغم من المميزات البراقة للبنوك الرقمية إلا أن هناك تحديات لا يمكن التغافل عنها؛ فمع زيادة الاعتماد على التكنولوجيا، تبرز مخاطر الأمن السيبراني كأولوية قصوى تتطلب استثمارات ضخمة لحماية أموال المودعين.
وفي ذلك لفتت الخبيرة المصرفية الانتباه إلى التحدي الاجتماعي المتعلق بضرورة إعادة هيكلة العمالة المصرفية؛ مؤكدة أن المستقبل لن يحتاج لموظف تقليدي خلف النوافذ الزجاجية بقدر حاجته لخبراء برمجيات وحماية بيانات، وهو ما يطرح السؤال الصعب، هل نحن مستعدون لإعادة صياغة كاملة لمفهوم البنك في حياة المصريين؟!.