حرب نقاط الاختناق.. خيارات ترامب لإرسال جيوش برية في إيران

إسراء أبو النصر

مع دخول الحرب علي إيران أسبوعها الرابع، يدرس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إمكانية إرسال قوات برية إلي إيران في محاولة منه لتحقيق بعض أهدافه الرئيسية وإنهاء الحرب التي دخلت أسبوعها الرابع، ويمكننا القول أن إرسال أي قوات برية في إيران من شأنه أن يحمل مخاطر متزايدة وفي نفس الوقت يحمل ميزة استراتيجية تتمثل في إنهاء الحرب سريعًا، ويأتي خيار إرسال واشنطن قوات برية إلي إيران في ظل أزمة طاقة عالمية وشيكة وتزايد ردود الفعل السليبة من الداخل الأمريكي إضافة إلي خلافات واشنطن مع حلفائها في الشرق الأوسط حول مسار الحرب، ما يجعل قرار إرسال قوات برية ربما أصعب قرار منذ بدء الضربات الأمريكية في الـ28 من فبراير الماضي.

ويستهدف “ترامب” من وراء إرسال قوات برية إلي إيران تسهيل الملاحة في مضيق هرمز من خلال نشر قوات في الجزر والموانئ الإيرانية في الخليج العربي، إضافة إلي استعادة اليورانيوم عالي التخصيب، والاستيلاء علي منشآت النفط  الإيرانية والتي تمثل شريان مالي حيوي للنظام الإيراني في محاولة لتسريع سقوط النظام أو علي الأقل محاولة انتزاع تنازلات من النظام الإيراني.

وليس من المتوقع أن يكون الانتشار البري للقوات الأمريكية كمثيله في أفغانستان والعراق، ولكنه يعتمد علي نوع العملية، والتي قد تكون قوات متخصصة عاملة لعدة ساعات علي غرار العملية التي نفذت في فنزويلا والتي تم فيها القبض علي الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أو قد تكون الآف الجنود في انتشار محدود لبعض المواقع من أجل شل القدرات الإيرانية، ومن المؤكد أن أي عملية برية أي كان شكلها ستنطوي علي درجة خطورة عالية، وسقوط عدد من الجنود الأمريكيين، وقد بلغ عدد القوات الأمريكية المنتشرة حالياً في الشرق الأوسط حوالي 50 ألف جندي مع الاستعداد لنشر 2500 جندي من مشاة البحرية.

ما هي الأهداف المتوقع من القوات البرية تغطيتها؟

الخيار الأول: من المتوقع أن يتم استخدام القوات البرية في تأمين مضيق هرمز، فوفقاً للبنتاغون أنه علي الرغم من تدمير أكثر من 120 سفينة إيرانية، فإنه لازالت البحرية الإيرانية وبحرية الحرس الثوري تحتفظ بما يعرف بـ “أسطول البعوض”، وهو عبارة عن أكثر من 1000 زورق سريع، البعض منها غير مأهول محمل بالمتفجرات يشكل تهديد للملاحة، حيث يمكن لتلك الزوراق محاصرة السفن بسرعة من جميع الجهات.

أما الخيار الثاني: استخدام القوات البرية أيضاً في جزيرة خارك والتي لطالما أعتبرت هدف رئيسي لواشنطن في حربها علي إيران، والتي إذا تمكنت واشنطن من السيطرة علي منشآت النفط فيها، فسينهار الاقتصاد الإيراني بحرمانه من مصدر دخله الرئيسي، إذ تصدر إيران نحو 90% من صادراتها من النفط الخام، ما قد يمكن واشنطن من استعمالها كورقة ضغط لإنهاء الصراع.

ويعد الخيارالثالث والأكثر خطورة والأكثر حسمًا أيضًا بالنسبة للقوات البرية الأمريكية في إيران هو العثور علي اليورانيوم عالي التخصيب واستعادته وتأمينه، ولطالما مثل اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب مصدر قلق بالغ في طموحات إيران النووية من وجهه نظر واشنطن، علي الرغم من تأكيد طهران مرارًا وتكرارًا أن برنامجها النووي سلمي، ومن المرجح أن يكون ما يقارب من نصف مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب البالغ 440 كيلو جرام في أصفهان، بينما يبقي النصف الآخر غير مؤكد إذا ما كان في منشآت فوردو أو نطنز،والذي وفقًا للتقديرات الأمريكية أن طهران لازالت تمتلك نفس كمية اليورانيوم عالي التخصيب التي كانت تمتلكها قبل عملية “مطرقة منتصف الليل”.

ما هي المخاطر السياسية الناتجة عن إرسال قوات برية إلي إيران؟
يرغب العديد من الحلفاء الجمهوريين بأن يقوم بإعلان النصر والمضي قدمًا دون الحاجة إلي نشر قوات برية في إيران، لأن إرسال قوات برية إلي طهران يعني ” وصفة لكارثة ـ a recipe for disaster”،ذلك لأن إيران ليست غزة، فهي دولة ذات قيادة واحتياطات لتلك القيادة لا تنتهي، وقد يستغرق إسقاط النظام الإيراني شهوراً أو سنوات، ما قد ينذر بتلاشي المكتسبات الأمريكية في الوقت الحالي.

كما أن أغلب الأمريكيين يعارضون أي عمل عسكري ضد إيران، فوفقًا لاستطلاعات الرأي يري العديد  من الأمريكيين أن العمل العسكري يجعل الولايات المتحدة أقل أماناً، كما أن الحرب من شأنها أن تؤدي إلي زيادة أسعار النفط والبنزين.

ما هي السيناريوهات للحرب الأمريكية وما هي الغاية النهائية ـ end game هنا؟
مع تذبذب تصريحات الرئيس ترامب ما بين الادعاء بأن الحرب انتهت وأنه انتصرنا، وما بين أن واشنطن يمكنها مواصلة مهاجمة طهران مهما طال الأمر، ومع وجود أسباب عديدة لواشنطن كمبررات للحرب علي طهران ليس من المعلوم متي يمكن لواشنطن إعلان النصر، ترد التقارير التي تفيد بأن البنتاغون يخطط لنشر القوات البرية، ما يعني الاختلاف داخل الإدارة الأمريكية حول كيفية الخروج من الحرب الإيرانية بأقل الخسائرالممكنة.

يشير مسار الحرب الآن إلي أن واشنطن بالغت في تقدير ما يمكنها تحقيقه سياسيًا وقللت في الوقت نفسه من قدرة النظام الإيراني علي الصمود والتصعيد للدفاع عن نفسه، ما يعني أن التخطيط الاستراتيجي والسيناريوهات كان ضعيف أو غير دقيق في صياغة استراتيجية الحرب.

من الممكن أن تظل الحرب كما هي جوية وصاروخية دون الحاجة إلي نشر قوات برية، ما يعني إضعاف البنية التحتية والمخزون لصناعة الصواريخ والطائرات المسيرة، إلا أن ذلك السيناريو يحتاج لعديد من الأسابيع كعمليات متواصلة، ما يعني استمرار الخسائر الفادحة للاقتصاد العالمي نتيجة غلق مضيق هرمز، ما يعني قدرة إيران علي إلحاق أضرار اقتصادية بالنظام العالمي علي الرغم من ضعف قدراتها العسكرية، وإذا ما نجحت واشنطن وتل أبيب في إلحاق الضرر وتدممير مخزون طهران الصاروخي، فالنتيجة المحتملة هي احتفاظ النظام الإيراني بقدرته علي الحكم، مع فقدان القدرة علي تهديد واشنطن، ما يعني تحقيق الأهداف التكتيكية دون إحداث أي تغيير في النظام الإيراني الحاكم ـ يظل سيناريو محتمل الحدوث-.

حدوث غزو بري علي غرار العراق، من خلال نشر قوات أمريكية ما بين 100 ألف إلي 150ألف جندي لفرض السيطرة علي إيران، وتنصيب حكومة موالية لواشنطن، إلا أن هذا السيناريو يعني استنزاف للقدرات الأمريكية، لأن جغرافيا إيران تختلف عن العراق، فمساحة إيران تبلغ أربعة أضعاف العراق ونصف مساحة الهند، أي أن احتلال دولة بأكملها يفوق القدرات العسكرية والسياسية الواقعية لواشنطن، وإذا ما تحقق ذلك السيناريو فنحن أمام أفغانستان جديدة، حيث يتقهقر الحرس الثوري إلي الريف لإعادة تنظيم صفوفه وشن حرب عصابات طويلة الأمد، “فنستغرق عشرون عاماً للإطاحة بالحرس الثوري لتنتهي بأن نترك البلاد في عهدة الحرس الثوريمن جديد”، وتحويل المنطقة بأكملها إلي حالة من عدم اليقينوالصدمات الاقتصادية المتكررة ـ يبقي سيناريو مستبعد لاسيما في ظل تردد ترامب في شن حرب طويلة الأمد.

سيناريو الدخول في حرب إقليمية شاملة، حيث تصعد واشنطن وتل أبيب من حملتها الجوية واستمرار الرد الإيراني باستهداف حلفاء واشنطن واستمرار غلق مضيق هرمز، وقد تصل دول الخليج إلي نتيجة مفاداها أن واشنطن تعمل لمصلحة تل أبيب فقط، فتعمل علي شن ضربات هجومية بدعم باكستان وتركيا لتحييد الهجمات المباشرة علي أراضيها، ومن شأن هذا السيناريوو توسيع نطاق الحرب، كما أن لن ترحب أي دولة ذات أغلبية مسلمة علي الظهور بمظهر المتحالف مع إسرائيل ضد دولة إسلامية أخري، يستلزم ذلك السيناريو دخول وكلاء إيران علي الخط لتحقيق أضرار جسيمة بالدول المعنية، وتعطيل الملاحة في كل من مضيقي هرمز وباب المندب، ما يعني انزلاق المنطقة في حرب إقليمية شاملة، مع تدمير البنية التحتية الإيرانية والاضطرار للتعامل مع فلول قوات الحرس الثوري، ما يعني استمرار دوامة العنف وزعزة استقرار المنطقة بأكملها حتي وإن انسحبت واشنطن، مخلفة ورائها عداوة لا يمكن حلها بين إيران وجيرانها العرب ـ من الممكن تحقيقه إذا ما استخدمت دول الخليج حق الرد-.

لجوء واشنطن لانسحاب سريع، مع إعلان الانتصار في تحقيق الأهداف، نتيجة للضغط العالي من دول الخليج التي تري أنه تم التضحية بها في مقابل تل أبيب، مع أرتفاع الكلفة الاقتصادية للحرب، والزيادة في أسعار النفط والبنزين، وزيادة تكلفة النقل والإنتاج في جميع الاقتصادات، كما أن الأهداف الإيرانية ذات القيمة العالية قد قلت منذ بداية الحرب مع اتخاذ طهران وسائل أكثر فعالية لحماية كبار رجال الدولة علي رأسهم مجتبى خامنئي المرشد الأعلي، ومع اختيار واشنطن إنهاء الحرب يظل ما أرادت اشنطن القضاء عليه سواء الوكلاء أو الملف النووي مازال قائماً، ما يعني ضرورة عودة جميع الأطراف إلي طاولة المفاوضات بدلاً من إعلان نصر أحادي من كل طرف على حدة.

في كل صراعات الولايات المتحدة طويلة الأمد كما هو الحال في أفغانستان والعراق، أنفقت واشنطن تريليونات الدولارات وضحت بالعديد من أرواح الجنود والمواطنين على كلا الجانبين، وتركت بلدين مدمرين لعقود طويلة ، على الرغم من نجاحها في الشق العسكري إلا أنها فشلت في الشق السياسي، فهل من الممكن تجنب نظرية البيوت الخشبية في الشرق الأوسط؟.