
بينما تتمسك الحكومة المصرية بهدف كسر حاجز الـ 100 مليار دولار صادرات بحلول عام 2030 كطوق نجاة للاقتصاد، تبدو الطريق مفخخة بأزمات هيكلية وجيوسياسية متلاحقة تهدد بتحويل هذا الحلم إلى رقم بعيد المنال، ففي الوقت الذي تحتاج فيه الدولة لتحويل مصر إلى مركز صناعي إقليمي لتقليل الفجوة التمويلية، جاءت الموجة الأخيرة من رفع أسعار الوقود بزيادة 3 جنيهات للتر البنزين والسولار الواحد، وتخطي الدولار حاجز الـ 52 جنيهًا، لتضع المُصنّع والمُصدّر المصري في مواجهة مباشرة مع ارتفاع قياسي في تكاليف الإنتاج واللوجستيات، تزامنًا مع وتيرة الحرب التي تخيم على المنطقة وصراع القوى بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى.
فاتورة الطاقة والدولار وصراع التنافسية السعرية
وفي هذا السياق، يرى الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، ورئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث، أن الوصول إلى مستهدف الـ 100 مليار دولار بات يواجه اختبارًا مصيريًا، موضحًا أن الصادرات السلعية التي حققت 35 مليار دولار في 2023، أصبحت الآن مهددة بفقدان تنافسيتها السعرية؛ إذ أن ارتفاع أسعار السولار إلى 20.5 جنيه والمازوت والوقود الصناعي يضرب تكلفة التشغيل في مقتل، ويجعل المنتج المصري أغلى ثمنًا مقارنة بالمنافسين في الأسواق الدولية.
قطاع الكيماويات تحت مقصلة التكاليف
وأشار الشافعي إلى أن قطاع الكيماويات والأسمدة، الذي يستحوذ على 20% إلى 25% من الصادرات، وأيضًا قطاع مواد البناء والحاضلات الزراعية والتي تجاوزت 7.4 مليون طن، جميعها قطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. مشيرًا إلى أن أي زيادة في مدخلات الإنتاج، مضافًا إليها ضغوط التضخم وتوقعات زيادته بعد تحرك أسعار الصرف، تفرغ الاتفاقيات التجارية من مضمونها، حيث يصبح اختراق الأسواق الإفريقية والأوروبية أصعب بكثير عندما ترتفع تكلفة الشحن والتصنيع محليًا.
الصراعات الإقليمية وارتباك سلاسل الإمداد وتكاليف التأمين
وحذر الخبير الاقتصادي من أن التوترات الجيوسياسية الراهنة وتصاعد وتيرة الصراع الإقليمي تزيد من تعقيد المشهد؛ فمصر التي نجحت سابقًا في غزو الأسواق الإفريقية مثل أسواق كينيا ورواندا وألمانيا بالموالح والأجهزة المنزلية، تواجه الآن اضطرابًا في سلاسل الإمداد وارتفاعًا في تكاليف التأمين على الشحن.
وأوضح أن الاعتماد الكبير على المكون المستورد في التصنيع، مع وصول الدولار إلى مستويات الـ 52 جنيهًا، يخلق أزمة سيولة وتكلفة مركبة لدى المصانع، مما يجعل حلم الـ 100 مليار مهددًا بالفناء إذا لم يتم تدارك الأمر بحزم تحفيزية حقيقية.
ضريبة الكربون الأوروبية.. تحدي بيئي يهدد ثلث الصادرات
ولفت إلى أننا الآن بحاجة عاجلة لثورة في المنظومة اللوجستية وتعميق التصنيع المحلي لرفع القيمة المضافة من 30% إلى 70%، لتقليل الاعتماد على الاستيراد المسعر بالدولار، لافتًا إلى أن التحدي لم يعد محليًا فقط، بل عالميًا أيضًا، حيث أن دخول ضريبة الكربون الأوروبية حيز التنفيذ في يناير 2026 يهدد الصادرات المصرية مثل الأسمدة والحديد والأسمنت وغيرهم بأعباء مالية قد تصل إلى 317 مليون دولار سنويًا، مما يضعف قدرتها على المنافسة في السوق الأوروبي الذي يستوعب ثلث صادراتنا.
مطالب بالإنتاج الأخضر والدعم الحكومي العاجل
ويرى الشافعي أن الاستمرار في نهج “الجباية” عن طريق رفع أسعار الطاقة والخدمات على القطاع الإنتاجي قد يؤدي إلى انكماش تصديري بدلًا من الطفرة المنشودة.
وشدد على ضرورة وجود دعم حكومي استثنائي لتحديث خطوط الإنتاج والتحول للطاقة النظيفة، وضمان استقرار سعر الصرف، لضمان بقاء المنتج المصري على الخارطة العالمية في ظل هذه الظروف الاستثنائية التي تعصف بأسواق الطاقة والأمن الإقليمي.