
تشهد منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة أحداث توتر وتعقيد بشكل يثير مخاوف كثيرة، خاصة ظل تصاعد الصراع الإيراني الإسرائيلي الأمريكي، ما يفتح الباب أمام تداعيات أمنية واقتصادية واسعة تمتد آثارها إلى مجمل الإقليم.
وفي ظل هذا التصاعد تتزايد مخاوف دول منطقة الشرق الأوسط حول استقرارها، خاصة فيما يتعلق بأمن الملاحة البحرية وأسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية.
وفي هذا السياق حذر الخبراء العسكريين والسياسيين من التصعيد بات يهدد المنطقة وأمنها وفي مقدمتها مصر، مؤكدين على أن ضرورة تعزيز الأمن العربي المشترك لمواجهة تداعيات التصعيد وفي ظل المخاطر التي تحيط بالمنطقة، كما طرحت الأحداث المتلاحقة والمخاطر التي تحيط بالمنطقة السؤال الملح حول مفهوم الأمن العربي، وأن يجب العمل على صياغة مفهوم جديد للأمن القومي العربي في ظل المخاطر الوجودية التي تتعرض لها بعض الدول العربية.
ضرورة تعزيز التعاون العربي لمواجهة تداعيات التصعيد

من جانبه أكد رئيس أركان الحرب الكيميائية الأسبق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية اللواء أركان حرب دكتور محمد الشهاوي إن الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران تؤدي إلى نتائج سلبية على جميع دول منطقة الشرق الأوسط.
وأوضح الشهاوي في تصريحات خاصة لـ “ليبرالي” أن الولايات المتحدة الأمريكية ليس لديها أمل في تحقيق انتصار باستخدام الأسلحة التقليدية التي تعتمد عليها حاليًا، مشيرا إلى أنه إذا استطاعت إيران الصمود لمدة أسبوع فقط مع الاستمرار كما يحدث الآن في ضرب القواعد العسكرية الأمريكية والأماكن الحيوية في إسرائيل، إضافة إلى إغلاق الملاحة في الخليج فقد تتمكن من الصمود من وجهة نظره.
وفيما يتعلق بالمخاطر المباشرة التي تواجه مصر أشار الشهاوي إلى أن زيادة التوتر في المنطقة تؤدي إلى تبعات أمنية واقتصادية على مصر فضلا عن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، وهو ما يؤثر على الاقتصاد المصري. وأشار إلى أنه خلال عامي 2024 و2025 خسرت مصر نحو 10 مليارات دولار نتيجة تعطل الملاحة في البحر الأحمر.
وأضاف أن الحرب تؤثر كذلك على أسواق الطاقة في الاقتصاد المصري وقد تؤدي إلى حدوث تضخم في المنطقة والعالم، بل واحتمال حدوث ركود تضخمي في منطقة الخليج والشرق الأوسط.
وحول كيفية موازنة مصر بين دورها الوطني والعربي أوضح أن ذلك يمكن أن يتم من خلال تعزيز التعاون العربي والعمل على إنشاء منظومة عربية موحدة للطوارئ الاقتصادية والعسكرية إلى جانب تأكيد دور مصر الوطني كدولة محورية في المنطقة تحافظ على الأمن القومي العربي.
كما دعا إلى إقامة جيش عربي موحد يحمي ولا يهدد ويصون ولا يبدد ويكون هدفه حماية الأمن القومي العربي، مشيرا إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي كان قد دعا إلى إنشاء هذا الجيش عام 2015 خلال القمة العربية التي عقدت في شرم الشيخ، لافتا إلى أنه كانت هناك خطوات كبيرة لإنشاء هذا الجيش العربي الموحد إلا أن المشروع توقف لأن هناك أطرافا دولية لا تريد للعرب أن يتحدوا.
وأكد الشهاوي أن القوة هي مصدر الأمان مشددا على ضرورة أن تعزز كل الدول العربية قدراتها العسكرية والاقتصادية وأن تقلل من الاعتماد على مصدر دخل واحد مع تعزيز التعاون الإقليمي، مشيرا إلى أن مصر تدعم جميع الدول العربية، وخاصة دول الخليج، في هذه الأزمة.
أما بشأن تأثير الأزمات الإقليمية على الاقتصاد المصري، فأوضح أن ذلك يتلخص في أسواق الطاقة والتأثير على أسعار النفط والغاز بسبب إغلاق مضيق هرمز. وضرب مثالا بـ العراق التي كانت تنتج نحو 3 ملايين برميل يوميا لم تعد تضخ في السوق العالمية.
واختتم الشهاوي تصريحاته بالتأكيد على أن هذه الأزمة تؤثر أيضا على قطاع السياحة في مصر والاستثمار فيها فضلا عن تأثيرها المباشر على الاقتصاد المصري من خلال تهديد الملاحة في البحر الأحمر.
عوار وخلل في المنظومة العربية

وأشار أستاذ العلوم السياسية الدكتور مختار غباشي، إلى أن مفهوم الأمن القومي العربي أصبح مجرد شعار بلا آلية حقيقية على أرض الواقع، مؤكدًا أن العالم العربي يعيش حاليًا في أسوأ مراحله ويمر بحالة من “التيه السياسي” ويفتقد إلى أبجديات مشتركة كحد أدنى للحفاظ على منظومة أمنه القومي.
وأوضح “غباشي” في تصريحات خاصة لـ “ليبرالي” أن القوى الرئيسية والغنية في العالم العربي ارتبطت بقوى إقليمية ودولية تستنزفها ولا توفر لها الحماية، لافتا إلى أن مشهد الصراع الإيراني الأمريكي وضرب القواعد الأمريكية في عدد من هذه الدول يعد دليلاً واضحًا على ذلك حيث لم توفر هذه الارتباطات حماية حقيقية ولم تستطع تلك الدول تحديد إطار واضح تستطيع من خلاله حماية دولها وسيادتها.
وأضاف أن مفهوم الأمن القومي العربي أصبح مفهومًا منتهيًا في الوقت الراهن، مشددًا على أن العالم العربي في أمسّ الحاجة إلى إحيائه من جديد، وإنشاء منظومة أمن قومي عربي مشترك قادرة على لملمة شتاته، خاصة أن واقع العالم العربي خلال هذه الفترة واقع مهين للغاية، مستشهدا في ذلك بما جرى في قطاع غزة، وما تقوم به إسرائيل في محيط العالم العربي، مؤكدًا أن الصراع الأمريكي الإيراني كان كاشفا لحجم العوار والخلل الموجود في المنظومة العربية.
وحول تداعيات التطورات الإقليمية على مصر نتيجة التصعيد في المنطقة، قال “غباشي” إن منطقة الشرق الأوسط تقف حاليًا على مشارف مواجهة مفتوحة، مع حركة تأثير واسعة النطاق في مقدمتها حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس إضافة إلى حركة التجارة الدولية في هذه المنطقة.
وأشار إلى أن هناك مشهدًا حيًا لاحتمالات اندلاع الحرب وهو ما انعكس بالفعل على الأوضاع الاقتصادية، لافتًا إلى ارتفاع سعر الدولار خلال الأيام الماضية ما يعكس وجود تأثيرات سياسية واقتصادية واقعة بالفعل نتيجة هذه التطورات.
وتساءل عن طبيعة الدور الذي يمكن أن تقوم به مصر أمام هذه التطورات إذا امتد الصراع ودخلت فيه أطراف إقليمية ودولية، مؤكدا أن الموقف في هذه الحالة ضبابي وشائك للغاية.
وأكد أن مصر قادرة على حماية سيادتها وأمنها القومي، إلا أن دور العالم العربي يجب أن يكون دورًا جماعيًا، مشيرا إلى أن مصر باعتبارها أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان وواحدة من أهم القوى العسكرية يمكنها بالاشتراك مع دول أساسية مثل السعودية والجزائر امتلاك زمام المبادرة لطرح حلول تعالج أوجه الخلل في النظام العربي.
وأضاف أن هذه المعالجة يجب أن تبدأ من إصلاح دور جامعة الدول العربية وميثاقها، الذي أنشيء في وقت كانت فيه سبع دول عربية واقعة تحت الاحتلال، مشيرًا إلى أن الدول العربية اليوم على حد تعبيره “ميتة وفي غرفة الإنعاش” لكن مصر بمشاركة عدد من الدول العربية الأخرى تمتلك القدرة على تصحيح هذا المسار وإعادة إحياء العمل العربي المشترك.