
سمر أبو الدهب
نحن الآن على أعتاب لحظة حاسمة يترقبها الجميع؛ من المستثمر الذي يراقب شاشات البورصة، إلى رب الأسرة الذي يحاول موازنة ميزانية بيته، يوم الخميس القادم، الثاني من أبريل، تعقد لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري اجتماعها الثاني لهذا العام، في ظل ظروف جيوسياسية واقتصادية استثنائية بكل المقاييس، ويأتي هذا الاجتماع ليعيد ترتيب الأوراق بعد خطوة جريئة اتخذها المركزي في فبراير الماضي بخفض أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس، وسط تساؤلات مُلحة، هل يواصل المركزي مسار الخفض، أم يضطر للرفع لمواجهة الغلاء، أم يختار منطقة الوسط بالإبقاء على أسعار الفائدة كما هي دون تغيير؟.
في هذا السياق، يرى الخبير المصرفي محمد عبد العال، أن الحكمة في هذا التوقيت الصعب قد تتلخص في قرار التثبيت، موضحًا أن الإبقاء على الوضع القائم في هذه اللحظة ليس مجرد موقف محايد، بل هو قرار يعكس اتزان التقدير ودقة اختيار التوقيت في ظل مشهد عالمي ومحلي شديد التعقيد، يتأرجح بين احتمالات التصعيد العسكري في المنطقة وبوادر تهدئة لا تزال بعيدة المنال.
غلاء مدفوع بالتكلفة وليس الاستهلاك
وأكد عبد العال، أن طبيعة موجة الغلاء الحالية تعد تضخم تكلفة وليست ناتجة عن زيادة في استهلاك المواطنين، فمع الارتفاعات الأخيرة في أسعار الوقود بنسب تتراوح بين 14% و30%، انتقلت صدمة التكاليف مباشرة من قطاع النقل إلى الإنتاج الصناعي وصولًا إلى السلع الغذائية على موائد المصريين.
مؤكدًا أن رفع الفائدة في هذه الحالة لن يخفض الأسعار، بل قد يزيد من أعباء التمويل على المصانع والشركات، مما يدفعها لرفع أسعار منتجاتها مجددًا لتعويض التكلفة، وهو ما يجعل خيار التثبيت هو الأكثر حماية لاستقرار الأسواق والقدرة الشرائية للمواطن.
وأشار الخبير المصرفي إلى أن اقتراب الدولار من مستوى 53 جنيهًا هو انعكاس لحالة القلق التي تسيطر على الأسواق العالمية وتؤثر على تدفقات الاستثمارات، وليست مجرد ضعف في أساسيات الاقتصاد المحلي، مشيرًا إلى أنه بما أن العالم يعيش ما يمكن وصفه بعدم اليقين الممتد، خاصة مع ترقب مسارات الصراعات الدولية وتأثيرها على شريان الملاحة في مضيق هرمز وأسعار النفط، فإن صانع السياسة النقدية يجد نفسه أمام ضرورة التريث الذكي، فالقرارات المتسرعة في وسط هذا الضباب قد تربك حسابات الدولة والمواطن على حد سواء.
ماذا يعني قرار التثبيت لـ “جيب” المواطن وميزانية الدولة؟
ولفت الخبير المصرفي إلى أن قرار الفائدة يمس حياة المواطن في تفاصيلها اليومية؛ فالتوجه نحو التثبيت يعني استقرار تكاليف القروض الشخصية وقروض السيارات، مما يحمي المقترضين من زيادة مفاجئة في أقساطهم الشهرية، كما يمنح هذا القرار أصحاب المدخرات والشهادات البنكية نوعًا من النفس الطويل لترتيب ميزانياتهم دون تغيير في عوائد استثماراتهم الآمنة.
لافتًا الى أنه على مستوى الدولة، فإن التثبيت يمثل فرملة ضرورية لمنع زيادة أعباء الدين العام، حيث إن كل زيادة طفيفة في الفائدة تكلف الموازنة العامة مليارات الجنبهات، وهي أموال تسعى الدولة لتوجيهها نحو قطاعات خدمية واستثمارية تدعم النمو وتخفف من وطأة الأزمة.
ويرى إن قرار الإبقاء على أسعار الفائدة هو السيناريو الأقرب للواقع؛ حيث يجمع بين الحذر المطلوب والاتزان في إدارة الأزمة، مانحًا الاقتصاد المصري فرصة لالتقاط الأنفاس لحين اتضاح الرؤية العالمية، وضمان عدم تحميل المواطن والمصنع أعباءًا إضافية في وقت بالغ الحساسية.
في سياق متصل، أكدت الخبيرة المصرفية، الدكتورة بسمة سليم، أن موجات الغلاء لم تعد تكتفي بأسواق الخضار والفاكهة، بل امتد أثرها ليطال تفاصيل الحياة اليومية الأساسية من إيجارات سكن ومصاريف انتقال، حيث سجل التضخم السنوي قفزة لتصل إلى 13.4% خلال فبراير الماضي.
وأوضحت أن هذا الارتفاع يعكس ضغوطًا حقيقيةً بدأت تظهر تدريجيًا في تكاليف المعيشة، مدفوعةً بتراجع قيمة الجنيه وزيادة أسعار الوقود، مما وضع ميزانيات الأسر المصرية أمام تحديات صعبة تتطلب توازنًا دقيقًا لمواجهة الأعباء المتزايدة.
رياح عالمية تعاكس طموحات الاستقرار
أشارت الدكتورة بسمة سليم إلى أنه على الرغم من بارقة الأمل التي حملها قرار خفض الفائدة بنسبة 1% في فبراير الماضي، إلا أن التوترات الجيوسياسية المتصاعدة وأسعار النفط العالمية التي تجاوزت حاجز الـ 111 دولارًا أعادت المشهد إلى مربع الترقب، مشيرة إلى إن ما يحدث في مضيق هرمز والصراع الإقليمي ليس مجرد أخبار سياسية، بل هو واقع يترجم في صورة ارتفاع تكاليف استيراد الطاقة، مما يضع ضغوطًا إضافيةً على موارد الدولة قبل اجتماع البنك المركزي المرتقب في الثاني من أبريل المقبل، ويجعل من استكمال مسار التيسير النقدي أمرًا محفوفًا بالمخاطر.
ميزان الصرف وتحديات العملة الصعبة
ولفتت الخبيرة المصرفية إلى أن سوق الصرف يواجه اختبارًا قاسيًا مع استقرار سعر الدولار عند مستوى 52.40 جنيهًا تقريبًا، نتيجة تخارج استثمارات أجنبية كبيرة وتراجع في إيرادات قناة السويس بسبب الأحداث الجارية، لافتة إلى أنه برغم هذه التحديات، تظل هناك ركائز مطمئنة تحمي الاقتصاد من التقلبات الحادة، متمثلةً في احتياطي نقدي قوي يتجاوز 52.7 مليار دولار، ومدعومًا بتحويلات المصريين بالخارج التي بلغت 41.5 مليار دولار في 2025، وهي صمامات أمان تعمل على حفظ توازن السوق في مواجهة الصدمات الخارجية.
حماية جيوب المواطنين هي الأولوية
ورجحت سليم أن يتجه البنك المركزي نحو تثبيت أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل، مفضلًا التريث لمراقبة أثر زيادة أسعار المحروقات وتداعيات الأزمات الإقليمية على معدلات التضخم.
وترى الخبيرة المصرفية إن الهدف الأسمى حاليًا أصبح حماية الثقة ومنع انفلات الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمواطن من موجات غلاء جديدة، وهو ما قد يدفع السياسة النقدية نحو حالة من التشدد النسبي، باعتباره المسار الأكثر واقعيةً لحماية الاستقرار المالي والاجتماعي في ظل هذه الظروف الاستثنائية.