
بينما انصبّ التركيز على لقاء د. بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي، مع السيد كريستوف بيجو، الممثل الأوروبي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، وما تناوله من تطورات دقيقة في الأراضي الفلسطينية المحتلة في ظل التصعيد الإقليمي الراهن، برز تفصيل صغير لكنه جذب الانتباه، جورب برتقالي منقوش بلون أزرق زاهٍ ارتداه أحد أعضاء الوفد المرافق لبيجو، في لقطة بدت وكأنها تكسر صرامة البروتوكول المعتاد.
وسط أجواء مشحونة بالنقاشات السياسية حول مسارات التهدئة والاستقرار في الشرق الأوسط، لم يكن الحضور الدبلوماسي وحده ما لفت الأنظار، بل تسلل هذا العنصر البصري غير تقليدي إلى المشهد.
هذا التفصيل الصغير أعاد إلى الذاكرة تقليدًا غير مكتوب لدى بعض المسؤولين في المحافل الدولية، حيث تتحول الجوارب إلى مساحة تعبير شخصية، تعكس جرأة أو رسالة غير مباشرة، في مقابل الزي الرسمي الموحد الذي يفرضه السياق الدبلوماسي، وبينما تستمر النقاشات حول قضايا كبرى تمس استقرار المنطقة، تظل مثل هذه اللمسات الإنسانية البسيطة تذكيرًا بأن خلف الكواليس الرسمية، تبقى هناك تفاصيل تعكس تنوع الشخصيات واختلافها.

جورب زاهي -لعضو بالوفد المرافق لــ بيجو الممثل الأوروبي لعملية السلام في الشرق الأوسط في مقابلة وزير الخارجية
الجوارب السياسية
في عالم السياسة والبروتوكول، تنقل الكلمات والقرارات الرسائل الرسمية، لكن التفاصيل البصرية الصغيرة يمكن أن تحمل معانٍ ورسائل غير معلنة لا تقل أهمية عن التصريحات الرسمية، مثال ذلك ما بات يُعرف في الصحافة العالمية بـ “دبلوماسية الشرابات”، حيث يعتمد بعض القادة اختيار شرابات أو جوارب مميزة أو ذات نقوش ملفتة لإضافة بعد إنساني أو رمزي لظهورهم في المناسبات الرسمية وللتعبير عن شخصياتهم، وتخفيف صرامة البروتوكول، بهذه التفاصيل الصغيرة، تتحول الشرابات إلى عنصر من عناصر “دبلوماسية الصورة” التي تكمل الرسائل السياسية الكبرى بطريقة أنيقة ومبتكرة.
ترامب وجورب مارتن
لم يكن إرتداء “جورب زاهي” لعضو الوفد المرافق لبيجو هي الحالة الأولى، بل سبقه الكثير من المسؤوليين، ففي مارس عام 2025، علق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الجوارب التي ارتداها نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، خلال لقاء رسمي بالبيت الأبيض مع رئيس وزراء إيرلندا، مايكل مارتن، حيث تميزت بنقوش باللون الأخضر (شامروك) احتفالًا بعيد القديس باتريك. وقال ترامب وهو يبتسم: “أنا أحب هذه الجوارب… ماذا عن هذه الجوارب؟ أحاول أن أبقى مركزًا لكنني منبهر جدًا بجوارب نائب الرئيس.”
جوارب رئيس الوزراء الكندي السابق
يُعد جاستن ترودو رئيس الوزراء الكندي السابق من أبرز السياسيين الذين قاموا بتوظيف ما يُعرف بـ“دبلوماسية الجوارب أو الشرابات” في المشهد السياسي، حيث نجح في تحويل تفصيلة بسيطة في المظهر إلى أداة تواصل بصري تحمل رسائل متعددة.

لايدع” ترودو “مناسبة إلا وخصها بشراب ملائم لها، من شجرة القيقب البيضاء على خلفيّةٍ حمراء، وهي رمز بلاده دولة كندا، إلى شعار “الناتو” على هامش مشاركته في اجتماع المنظّمة.
في مايو 2017 بالولايات المتحدة الأمريكية، وخلال لقاء جمعه برئيس الوزراء الأيرلندي ليو فارادكار، ارتدى ترودو جوارب تحمل شخصيات من فيلم Star Wars ،وهو ما أضفى طابعًا مرحًا على لقاء رسمي رفيع المستوى.
وفي سبتمبر 2017 بنيويورك، خلال مشاركته في منتدى بلومبرغ الاقتصادي، لفت الأنظار بجوارب تحمل شخصية Chewbacca، في خطوة اعتُبرت محاولة لكسر الجمود المرتبط بالفعاليات الاقتصادية الثقيلة، وجذب تفاعل إعلامي واسع.
وفي يناير عام 2018 ، وخلال مشاركة ” ترودو” في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ظهر بجوارب بنفسجية مزينة ببط أصفر، في حضور الناشطة ملالا يوسفزاي، وهو ما فُسّر كرسالة دعم غير مباشرة للتوعية باضطراب التوحد.

رئيس الوزراء الكندي السابق يرتدي جورب البطة الصفراء أثناء مقابلة رسمية في إشارة لدعم مرضى التوحد
بوريس جونسون
يُعرف رئيس الوزراء البريطاني السابق بشخصيته غير التقليدية، التي انعكست بوضوح في مظهره العام، بما في ذلك اختياراته للجوارب.
خلال الفترة بين 2019 و2022 في المملكة المتحدة، ظهر جونسون في أكثر من مناسبة رسمية وإعلامية بجوارب غير متناسقة أو ذات ألوان لافتة، في أسلوب يعزز صورته كشخصية متمردة على البروتوكول، ويعكس نهجًا مختلفًا في التعاطي مع الشكل الرسمي للسياسيين.
و شوهد “جونسون”، وهو يرتدي جواربه غير التقليدية، وشوهد وهو يرتدي الجوارب ذاتها خلال عدة لقاءات صحفية، حيث تساءل البعض عما إذا كان “جونسون” يغسل جواربه ويقوم بتغيرها أم لا، ما اضطرّ مكتبه الإعلامي إلى إصدار توضيحٍ بأنه يملك كثيراً منها.
.وفيما يتعلق بالجوارب التي أثارت الجدل، كشفت التقارير أن جونسون حصل عليها من متجر تابع لـ “المتحف البريطاني”، وتمثل رسوماته الملك آشوربانيبال، الذي يعد آخر ملك للإمبراطورية الآشورية الحديثة ويشتهر بإطلاقه لقب “ملك العالم”على نفسه.
أما الصورة التي حملتها تلك الجوارب فهي للحاكم الآشوري آشور بانيبال (668 – 627 ق.م)، وهي متوفّرة في المتحف البريطاني وسعرها 6 جنيهات إسترلينية.
دبلوماسية الجوارب
تعبّر ظاهرة “دبلوماسية الجوارب أو الشرابات” عن تحول جذري في كيفية استخدام المسؤولين للبصر والتفاصيل البصرية في التواصل السياسي، ما كان يُنظر إليه سابقًا إلى أنه مجرد تفصيلة في المظهر، أصبح اليوم أداة معبرة تحمل رموزًا ورسائل يمكن أن تتواصل مع الجمهور على مستويات أعمق، وتُضفي طابعًا إنسانيًا على اللقاءات الرسمية.
ما رأيك عزيزي القارئ؟
هل ترى أن هذه التفاصيل البسيطة تضيف بُعدًا إنسانيًا وتواصليًا جديدًا إلى الدبلوماسية، أم أنها تظل مجرد لفتات شكلية لا تحمل دلالات حقيقية؟
شاركنا وجهة نظرك… هل أصبحت الجوارب رسالة دبلوماسية غير مباشرة؟
وأنت، ما هو الجورب الذي تنوي ارتداءه؟
اقراء أيضًا: “Flintlock” التدريب العسكري الأمريكي في ليبيا: مناورات روتينية أم غطاء لإعادة رسم نفوذ واشنطن في أفريقيا؟
اقراء أيضًا: من الشهر العقاري إلى المرور: رحلة التوكيل المزور في يد العصابات