
غياب التعددية الحزبية يدمر الحياة السياسية في مصر
كل الأحزاب في مصر تدار أمنيًا.. ولا ديمقراطية بدون مشاركة حقيقية
اخترت الجيش على الإخوان.. والليبرالية تعني محاسبة الحاكم
نكسة 1967 غيرت قناعة جيلي بالكامل
لم أكن ناصريًا ونشأت في بيت ليبرالي وأؤمن بحق الشعب في اختيار حاكمه
ثورة يناير حركة سياسية و30 يونيو أنقذت الدولة
تحالف الوفد مع الإخوان في انتخابات 84 كان صحيح تكتيكيًا وخطأ استراتيجيًا
الوفد فقد توازنه عقب رحيل فؤاد سراج الدين
مي سليم
أكد الدكتور رئيس حزب الوفد الأسبق محمود أباظة، أن جوهر الليبرالية يتمثل في حق المواطن في اختيار حاكمه ومحاسبته، مشيرًا إلى أن غياب الإرادة السياسية للتعددية الحزبية يدمر الحياة السياسية في مصر.
وفي حوار شامل مع “ليبرالي” استعرض “أباظة” مسيرته السياسية التي بدأت عقب هزيمة 1967، والتي كانت سببًا في تشكيل وعي جيله بأكمله، مرورًا بتوليه رئاسة حزب الوفد وصراعاته الداخلية، وأزمته مع الدكتور السيد البدوي وصولاً إلى الأوضاع الإقليمية والتوترات التي تشهدها المنطقة، مستندًا إلى خبرته الممتدة لعقود داخل أروقة العمل العام والحزبي، كما قدم تقييمًا متوازنًا لما حدث عقب ثورتي يناير و30 يونيو، كاشفًا عن واقع الحياة السياسية في مصر وعلاقة الأجهزة الأمنية بالأحزاب وإدارتها، وإلى نص الحوار:
كيف بدأت حياتك السياسية؟
كانت ميولي أدبية حتى عام 1967 وكنت أرسم مستقبلي في هذا المجال، لكن نكسة 1967 كانت فارقة بالنسبة لجيلي بأكمله، كنا نعيش فترة من اليقين بأننا نسير نحو التنمية الشاملة، ونثق في قدراتنا العسكرية لكن الهزيمة تسببت في تغيير القناعات، وانقسم جيلنا في اتجاهات مختلفة بين الهجرة والانسحاب من الحياة العامة بينما انخرط الأخرون في الحياة السياسية باعتبارها واجبًا ومن هنا بدأت الاهتمام بالسياسة.
هل كنت من أنصار الرئيس “عبدالناصر” في تلك الفترة؟
لم أكن ناصريًا أبدا، ولكن مثل باقي أبناء جيلي كنا نعتقد أننا نسير نحو مستقبل أفضل حتى إن كان هناك مضايقات، ولكن بعد الهزيمة اتجه البعض إلى المزيد من اليسارية والبعض اتجه إلى التيارات الدينية.
كيف اخترت توجهك في تلك الفترة؟
نشأت في بيت يؤمن بالليبرالية وكنت أرى أن المرحلة الناصرية مرحلة انتقالية للوصول إلى الديمقراطية.
ماذا تُعنى الليبرالية من وجهة نظرك؟
الليبرالية تحمل معاني كثيرة ولكن حرية الفرد مصطلح تم اختراعه وبدأت إرهاصاته في القرن الـ 18 في أوروبا، ثم بدأ يتجه إلى كيف تصب سياسيًا حرية الفرد في اختيار الحاكم ومحاكمته وفي تغييره عند الحاجة من خلال مؤسسات دستورية.
هل عاشت مصر الليبرالية في تلك الفترة؟
الفترة الليبرالية في مصر كان بها محتل وحاكم وارث العرش عن أجداده وشعب، وحتى عام 1919 لم يكن الشعب لاعبًا على الخارطة السياسية وهذا يعتبر من أكبر إنجازات سعد زغلول حيث أدخل الشعب في المعادلة السياسية وأصبح رقمًا حاكمًا فيها.
هل الليبرالية لم تكن متجذرة في المجتمع المصري أم كانت غريبة عليه وهل تتناسب معه؟
حق الشعب في أن يختار حاكمه ويحاسبه حق طبيعي ويجب أن يحصل عليه الشعب ولا يوجد أي سبب منطقي أو شرعي لحرماننا من هذا الحق، ونحن حُرمنا عقب ثورة 1952، لأن القضية الوطنية المركزية كانت الاستقلال وكان مرتبط بالدستور، لأن الانتخابات الحرة واحترام الدستور كان يأتي بالحزب الشعبي “الوفد” الذي كان في ضمير المصريين وكانت كل القوى السياسية واالمصريين تؤمن بالاستقلال فيما عدا الإخوان حيث أنهم لا يؤمنون بالوطن بل بالدولة الإسلامية، وعندما قامت الثورة واستولت على الحكم وحصلت على التأييد الأول مع الإخوان ثم بعد اتفاقية 1954 وحصلنا على الاستقلال .
ما تقييمك لثورة يوليو؟
الثورة لم تكن ثورة منذ أول يوم تحولت إلى ثورة بعد أن حظيت بتأييد شعبي واسع خاصة بعد اتفاقية الجلاء عام 1954.

لماذا تحالف الضباط الأحرار مع الإخوان المسلمين؟
الإخوان المسلمين اتفقوا مع الثورة لأنهم اعتقدوا أن الضباط الأحرار سيمنحوهم السلاح الذين لا يمتلكونه، والضباط الأحرار اعتقدوا أن الإخوان سيمنحوهم الجماهيرية التي يفتقدونها.
لماذ رفضت بيع بنك القاهرة في فترة رئاستك للحزب رغم أن ذلك يتعارض مع مبادئ اقتصاد السوق؟
حزب الوفد كان رافضًا لقرار البيع، ولم نكن ضد البيع في حد ذاته بل كنا ضد البيع لبنك أجنبي، والسبب في ذلك أن البنوك المصرية ومنها بنك مصر لعبت دورًا كبيرًا في بناء الصناعة الوطني.
في لقائك مع اللواء عمر سليمان أخبرك أن القوات المسلحة ستتولى إدارة البلاد عقب تنحي الرئيس مبارك فأجبت بهكذا اطمأن قلبي.. هل هذا لا يتعارض مع الليبرالية التي تؤمن بمدنية الدولة؟
هذا الحديث كان بعد ثورة الإخوان المسلمين التي سيطروا فيها على الشارع ومداخل ميدان التحرير ومن يوم 28 يناير “ركبوا الثورة” وبالتالي إذا كان الاختيار بين القوات المسلحة والإخوان سأختار القوات المسلحة لأنها مؤسسة وطنية ولا يمكن أن تكون غير وطنية.
كيف ترى ثورة يناير وثورة 30 يونيو؟
ثورة يناير كانت لها أهداف سياسية بغض النظر عن كونها غير واضحة وغير متماسكة لكن كانت لها مطالبها السياسية، أما ثورة 30 يونيو فكانت رد فعل مادي إنساني وشعبي لزوال الدولة المدنية الحديثة، وهذه الثورة أثبتت وعي المصريين.
هل محاربتك للإخوان كانت بسبب أن حكمهم ديكتاتوري؟
أنا ضد الإخوان لأن مشروعهم ليس مشروعًا وطنيًا، وأنا شخص يؤمن بالوطنية في كل مكان في العالم.
لماذا تحالف حزب الوفد مع الإخوان في انتخابات 1984؟
تكتيكيًا كان الأمر صحيحًا أما استراتيجيًا كان خطأ، ويجب التوضيح أن التحالف كان على برنامج الوفد وليس برنامج الإخوان، وحين تم هذا التحالف اشترط فؤاد سراج الدين عليهم شرطان الأول ألا يدخلوا الوفد، والثاني هو أنه عند اجتماع الهيئة البرلمانية الوفدية يجب أن يلتزموا برأي الأغلبية، وكان التحالف ضروريًا لأن نسبة الـ 8% المطلوبة لتمثيلنا في البرلمان كان من الممكن ألا يحصل عليها الوفد بمفردده، وفي يوم كنت في زيارة لمنزل فؤاد سراج الدين صدفة وجدت مرشد الإخوان حامد أبو النصر وسيف الإسلام حسن البنا ومحمد عبدالقدوس، هناك ليبلغه بالانسحاب من هذا التحالف فسأله لماذا فقال أننا معكم بين فكي الأسد ،لكن التحالف الجديد برنامجنا نحن، فسأله وما برنامجكم قال الإسلام وهو الحل.
كيف تقيم حزب الوفد بعد رحيل فؤاد سراج الدين؟
رئيس الحزب له دور فعال جدًا في تأثير الحزب ودوره وهذا في كل مكان في العالم والدليل على ذلك أن الحزب الديجولي وضعه اختلف كثيرًا بعد رحيل ديجول، فؤاد سراج الدين كان زعيمًا سياسيًا يملك خبرة كبيرة وقدرة على إدارة التوازنات داخل الحزب، وكان أمرًا طبيعيًا أن يتولى بعده نعمان جمعة رغم أنه جاء بالانتخابات ضد فؤاد بدراوي على رئاسة الوفد ،حيث عهد سراج الدين له بالتنظيم منذ فترة، في حين أن سراج الدين جاء بقوة التاريخ، ولكن نعمان جمعة حاول أن يكون نسخة من سراج الدين وهو أمر لم يكن ممكنًا لأن فؤاد السراج الدين كان فترة زعامة وكان له ما يميزه عن الأخرين بحكم تاريخه، لكن نعمان جمعة كان مفترض أن يكون الأول بين متساويه ولكنه أراد أن يكون الأول فقط مما أدى إلى صدامات ومعارك داخل الحزب وانقسامات لاحقة.

من الأفضل والأسوأ في رؤساء حزب الوفد؟ وما تقييمك لكل رئيس منهم وفترته؟
رؤساء الوفد بعد فترة السيد البدوي الأولى لم يكونوا رؤساء، أنا ترأست حزب الوفد بالتزكية واستلمته في فترة “ضرب نار” وسلمته في فترة هادئة منضبطة وحرصت على الحفاظ على تقاليد الوفد وخطه السياسي، وجاء بعدي الدكتور السيد البدوي حيث كانت هناك رغبة في التغيير وأحدث تغييرًا كبيرًا في الحزب حيث قام بتغيير الجمعية العمومية بالتعيين، وفي تلك الفترة كان الحزب به ودائع بنكية بقيمة 90 مليون جنيه وعندما غادر الدكتور البدوي كان المتبقي 450 ألف جنيه، وكان هناك ديون لما يقرب من 40 مليون جنيه بتقرير رصده الدكتور هاني سري الدين والمستشار بهاء أبو شقة، وما آل بعد ذلك كان نتيجة ما حدث من الناحية المالية.

هل الدكتور السيد البدوي يتحمل نتيجة ما حدث للوفد ماليًا وسياسيًا؟
نعم من الناحية الحالية، حيث أن الدكتور السيد البدوي أدار إدارة مالية سيئة ترتب عليها أن الوفد فقد أهم سلاح له وهو الاستقلال المادي، لكن من الناحية السياسية السياسة تقبل الاختلاف فقد أُخطيء أنا وقد يخطيء هو، ومن الناحية السياسية واجه الثورة وفي البداية رفض مشاركة شباب الوفد في الثورة، وأنكر أنه تقارب من الإخوان لكنه كان يتصور أن الإخوان لن تترشح لرئاسة الجمهورية وسيساندوه حال ترشحه وهذا أمر ظهر للجميع في التسجيلات، أما ضياع ودائع الوفد التي كانت تضمن له استقلال مادي قبل الجميع كان هو السبب المباشر للأزمة التي مازلنا نعيش فيها إلى الأن .
إذا كان الدكتور السيد السبب في أزمة حزب الوفد.. كيف فاز في الانتخابات الأخيرة؟
يجب أن نوضح نقطتان أولاً هو فاز بثمانية أصوات وهذه الانتخابات الإلكترونية أنا لاأثق فيها، وثانيًا لجنة الأحزب إلى اليوم لم تعتمد فوزه بسبب وجود شكاوى مقدمة مني كرئيس سابق ومن منير فخري عبدالنور كسكرتير عام سابق، ومن محمد سرحان كنائب رئيس سابق عن مجموعة من أعضاء الهيئة الوفدية.
ما طبيعة العلاقة بينك وبين “البدوي”؟
كان شابًا يعمل في السياسة ولديه القدرة على جذب الناس وكنا أصدقاء ثم اختلفنا بعد ذلك وبدأ يكون له مصالح ويبدو أنه أساء إدارة مصالحه الشخصية في القناة والأدوية وتسببت له في أزمات مادية واضطر لفعل أشياء لا يجوز فعلها من يعمل بالسياسية.

هل انتخاب الدكتور السيد البدوي لرئاسة حزب الوفد بداية أزمة جديدة للحزب؟
نعم، ولا يجوز للدكتور السيد البدوي أن يكون رئيسًا للوفد وفي ظل رئاسته للوفد لن يكون للوفد مصداقية في ممارسة دوره كرافد رئيسي من روافد الحركة الوطنية المصرية يقوم على حماية مصالح الشعب ومقاومة الفساد.
ما هي البدائل المتاحة من وجهة نظرك؟
هناك احتمالين إما أن تعتبر المحكمة أن ترشحه ترشحًا باطلاً ويفوز الدكتور هاني سري الدين باعتباره المرشح الوحيد، وإما أن تحكم المحكمة ببطلان الانتخابات كاملة وتعاد مرة أخرى.

ماذا لو حكمت المحكمة للدكتور السيد البدوي رئيسًا لحزب الوفد؟
سأستمر في اعتبار أن وجود “البدوي” رئيس الحزب يمنع الوفد من أداء دوره.
هل أزمة حزب الوفد جزء أساسي من أزمة الأحزاب السياسية في مصر؟ ومن المسئول؟
بالتأكيد .. ما يحدث في الوفد يحدث بدرجات مختلفة في جميع الأحزاب، والأحزاب في مصر لا تقوم بدورها الحقيقي بما في ذلك أحزاب الموالاة، والدليل على ذلك أن أحزاب الموالاة فاشلة جدًا ويثبت حديثي نسب المشاركة المتدنية جدًا في الانتخابات العامة، الأمر الوحيد الذي لا يستطيع فعله سوى الأحزاب هو تحريك الشارع، ولا حياة سياسية بدون أحزاب وإذا تم التضييق على الأحزاب السياسية دمرت الحياة السياسية بأكملها، كما أن المسئول عن ضعف الأحزاب مسئولية مشتركة منها جانب يتعلق بالأحزاب نفسها لكن الأزمة في المناخ العام الذي لا يشجع على التعددية الحزبية رغم نص الدستور، كما أن جميع الأحزاب السياسية في مصر بلا استثناء تدار من جهات أمنية وما يفرق حزب عن أخر أن هناك قيادة حزبية تستطيع التعامل مع هذه الجهات بحيث تأخذ مساحة مناسبة وأحزاب أخرى قياداتها غير كفء بما في ذلك أحزاب الموالاة.

من أين يبدأ الإصلاح السياسي.. هل بتغيير قانون الأحزاب؟
قانون الأحزاب جيد جدًا في مجمله وليس له علاقة، بل الأمر يتعلق بغياب الإرادة السياسية للتعددية، والإصلاح يبدأ بفتح المجال السياسي وخلق حياة حزبية جديدة.
كيف ترى مصر عقب ثورة 30 يونيو؟
هناك إنجازات كثيرة تمت، وتم إقرار دستور جيد وتم استعادة الأمن وتطوير البنية التحتية والطرق والكباري ويعد مشروع حياة كريمة مشروع هام جدًا ويعتبر بداية مكافحة الفقر ولكن تأخرنا كثيرًا فيه، ولكننا مازلنا في مرحلة البناء نتقدم خطوة ونتراجع خطوة، ومازالت لدينا مشاكل واضحة في التعليم والصحة وارتفاع نسبة الفقر فوق الحدود المقبولة كما أن مشروع التأمين الصحي الشامل يسبر ببطء شديد، وهناك غياب حقيقي للإعلام الحر.
وما سبب استمرار تلك المشكلات؟
غياب المشاركة الشعبية، فنحن لدينا حلول على ورق لكن التنمية ليست روشتة نصرفها بل هي إرادة عامة ولا بد أن يكون هناك تواصل بين الحاكم والمحكوم، وهذا غير متاح على أرض الواقع في ظل تقييد الحياة السياسية.
كيف ترى وضع مصر في الإقليم مع التوترات الحالية؟
نحن في إقليم مضطرب وفي عالم اختفى فيه النظام الدولي الذي خرج من الحرب العالمية الثانية ولم يحل مكانه نظامًا عالميًا جديدًا بعد توافق عام، كما أن إقليمنا يقع في الوسط بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب وجميعهم بهم مشكلات عديدة.
هل مازالت مصر قائدة في المنطقة؟
لا يهم أن تكون قائدة ولكن المهم أن تظل قائمة بفضل شعبها ووحدته وهذا عنصر قوة كبير في محيط إقليمي مضطرب، فنحن في مرحلة إعادة تشكيل للنظام الإقليمي والدولي وهناك محاولات لإعادة توزيع النفوذ ويجب أن تكون مصر مستعدة لذلك عبر تحالفات قوية وسياسات متوازنة.
ما هو ضوء الأمان في حياة الدكتور محمود أباظة؟
في نهاية حياتي أنا راض عنها تمامًا، وأعتقد أنني أديت واجبي ونجحت في الكثير من الأمور وأخفقت في بعضها لكني بذلت كل جهد أستطيع أن أبذله تجاه الوطن.
ما هي الخطوة القادمة لك؟
بالنسية للوفد وعودتي للمشهد فهي معركة تتعلق بالمبدأ وبالتالي سوف أستمر فيها حتى وأن خسرتها سأستمر بالمناداة بها لأنها مسألة متعلقة بالوطن وليس الوفد وحده، ومازال لدي أمل في الوفد وفي القيم الوفدية أن تظل الحركة الوطنية المصرية على قيد الحياة وتمتد وتستعيد شبابها في الأجيال القادمة.

أخيرًا.. ما هي أمنيتك لمصر؟
منذ عام 1882 وحتى 1954 كان هدفنا الوحيد الاستقلال الوطني وما يجب أن يتحقق بعده هو التنمية الشاملة، لأنه لن يكن لدينا تعليم أو صحة أو طبقة وسطى أو نحقق عدالة اجتماعية إلا بتحقيق التنمية الشاملة الحقيقية وتكون إرادة عامة الشعب شريك فيها.