
في مشهد يبدو كأنه خرج من رواية عبثية سوداء، لكنه هذه المرة واقع موثق، يكشف الكاتب الإسرائيلي “ألوف بن” في صحيفة هآرتس عن واحدة من أكثر الفضائح الأخلاقية قتامة داخل سلاح الجو الإسرائيلي، فضيحة تتجاوز بخيالها ما تصوره جوزيف هيلر في روايته الشهيرة «المأزق 22». هناك، تخيّل هيلر أن تتحول الحرب إلى تجارة عبر ضابط تموين انتهازي، لكنه لم يتخيل يومًا أن يصل الانحدار إلى أن يصبح الطيارون أنفسهم مقامرين، يراهنون على توقيت الضربات العسكرية قبل تنفيذها، ثم يقلعون بطائراتهم لتنفيذ ما راهنوا عليه.
القصة، كما يرويها التقرير، لا تتعلق بشبهة عابرة أو تصرف فردي، بل بوقائع وصلت إلى حد توجيه اتهامات رسمية لطيار من طواقم مقاتلات الشبح F-35 وصديقه، بعد استغلالهما معلومات عسكرية سرية تتعلق بموعد قصف منشآت نووية إيرانية خلال يونيو الماضي.
لم تكن تلك المعلومات مجرد أسرار حرب، بل تحولت إلى “فرص استثمار”، حين دخل المتهمان إلى منصة المراهنات الشهيرة Polymarket، ووضعا رهانات دقيقة على توقيت الضربة. وبعد تنفيذ المهمة والعودة من السماء، لم يكن في انتظارهما فقط تقرير المهمة، بل أرباح تُقدّر بنحو ربع مليون دولار.
غير أن الصدمة الحقيقية لم تكن في الجريمة ذاتها، بل في ما كشفته التحقيقات من أن الأمر يتجاوز حدود الفرد ليقترب من كونه سلوكًا جماعيًا. أحد المتهمين قال للمحققين إن “السرب كله على بوليماركت”، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين أشار إلى أن سلاح الجو بأكمله يشارك في هذه المراهنات، والأكثر فداحة أن قائد السرب، عندما علم بالأمر، لم ير فيه انتهاكًا أخلاقيًا يستوجب العقاب، بل عبّر عن أسفه لأنه لم يُبلّغ بالأمر مبكرًا ليشارك في “الفرصة”.
المقارنة التي يطرحها الصحفي ألوف بن تفتح بابًا واسعًا للتأمل في حجم التحول الأخلاقي. قبل عقدين فقط، أثار قيام رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق دان حالوتس ببيع أسهمه قبل اندلاع حرب لبنان الثانية عاصفة من الغضب، واعتُبر ذلك حينها فضيحة كبرى. أما اليوم، فيبدو هذا الفعل، وفق توصيف الكاتب، كأنه مجرد “زلة بريئة” مقارنة بما يحدث داخل أجيال جديدة من الطيارين، الذين لم يكتفوا باستغلال المعرفة، بل حوّلوها إلى آلية منظمة لتحقيق أرباح من قلب الحرب نفسها.
هنا لا يعود الحديث عن فساد تقليدي، بل عن تحول أعمق، عن لحظة يصبح فيها القرار العسكري نفسه مشتبكًا مع منطق السوق والمضاربة. السؤال الذي يطرحه المقال ليس فقط: ماذا حدث؟ بل: ما الذي يمكن أن يحدث لاحقًا؟ ما الذي يمنع، في ظل هذا الانزلاق، أن يتحول قرار الحرب ذاته إلى صفقة محسوبة، حيث تُصاغ الضربات العسكرية، ليس فقط وفق حسابات السياسة والأمن، بل أيضًا وفق فرص الربح في منصات المراهنات؟
السيناريو الذي يبدو مخزيًا، كما يصفه الكاتب، لم يعد بعيدًا عن الواقع: مسؤولون يدفعون نحو تصعيد، إشارات تُلتقط في دوائر ضيقة، تطبيقات تُفتح في صمت، رهانات تُوضع، ثم تُنفذ الضربات، لتتحول المدن المقصوفة إلى أرقام، والضحايا إلى هوامش في حسابات الأرباح، بينما يخرج البعض لشراء عقارات فاخرة أو توسيع استثماراتهم من عوائد الدم.
ويأتي ذلك في سياق أوسع، حيث تحوّلت منصات التنبؤ مثل Polymarket من مجرد أدوات لقراءة المستقبل إلى ساحات تتقاطع فيها السياسة والمال والمعلومات الأمنية الحساسة، المنصة التي اكتسبت شهرة بعد توقعها نتائج الانتخابات الأمريكية عام 2024، لم تعد مجرد مساحة للتوقع، بل باتت، في ضوء هذه الوقائع، أقرب إلى غرفة تداول للأحداث الكبرى، حيث يمكن تحويل المعلومة إلى ربح، والكارثة إلى فرصة، والقتل والدمار الي ارباح في حسابات بنكية.
في جوهر هذه القصة لا تكمن فقط جريمة استغلال معلومات سرية، بل انهيار في المعنى نفسه، حيث تتآكل الحدود بين الواجب العسكري والمصلحة الشخصية، بين القرار المصيري والمكسب المالي. إنها لحظة يتغير فيها تعريف الحرب، من كونها مأساة إنسانية وصراعًا سياسيًا، إلى كونها أداة ضمن اقتصاد أوسع، تُقاس فيه الأحداث بقدرتها على توليد الربح.
وإذا كان «المأزق 22» قد صوّر عبثية الحرب في زمنه، فإن ما نواجهه اليوم يبدو كأنه مرحلة أكثر قتامة، حيث لم يعد العبث مجرد تناقض منطقي، بل تحول إلى منظومة متكاملة، يصبح فيها الرهان على الموت فعلًا عاديًا، بل ومربحًا. هنا، لا يكون السؤال من سينتصر في الحرب، بل من سيحقق العائد الأكبر منها.