روشتة “المرصد الاقتصادي” للمصريين لتجاوز نيران الحرب والغلاء

سمر أبو الدهب

​يواجه الاقتصاد المصري في مارس 2026 اختبارًا هو الأصعب منذ سنوات، حيث تلاقت ضغوط إقليمية مفاجئة مع قرارات اقتصادية محلية صعبة، لتشكل ما وصفه “المرصد الاستراتيجي للاقتصاد المصري” بالصدمة المزدوجة، وبينما تظهر المؤشرات الكلية تماسكًا في جبهة الاحتياطيات الأجنبية، كشف المرصد عن تآكل متسارع في القدرة الشرائية للأسر المصرية، ما جعل حماية الاستقرار المالي في صراع مباشر مع تكلفة الحياة اليومية.

​نيران التوترات الإقليمية تنعش الأموال الساخنة
وفقًا للمرصد، ​شكلت الضربات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية في 28 فبراير الماضي نقطة تحول حادة، حيث انتقلت آثارها فورًا إلى الداخل المصري عبر قنوات الطاقة وسوق الصرف، ورصد التقرير أيضًا قفزة في أسعار خام برنت لتتجاوز حاجز الـ 100 دولار، لتستقر بين 101 و103 دولارات للبرميل، بالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز، هذا التصعيد تسبب في خروج موجة من الأموال الساخنة تقدر بنحو 6.7 مليار دولار منذ 19 فبراير، وهي الأكبر منذ أزمة 2022، مما رفع تكلفة التأمين على الديون السيادية إلى 369 نقطة.

​الجنيه يصارع الدولار والاحتياطي يسجل رقمًا قياسيًا تاريخيًا
وب​رغم الضغوط، سجلت الاحتياطيات النقدية رقمًا قياسيًا تاريخيًا عند 52.745 مليار دولار في فبراير 2026، بزيادة 151 مليون دولار عن يناير، مدعومة بقفزة في تحويلات المصريين بالخارج التي وصلت إلى 41.5 مليار دولار خلال عام 2025 بنمو 40.5%، إلا أن هذا الاحتياطي يواجه تحدي الدين الخارجي البالغ 163.7 مليار دولار.
وفي سوق الصرف، شهد الجنيه تذبذبًا واضحًا بين مستويات 50.14 و52.78 جنيهًا للدولار، مسجلًا أكبر حركة يومية بارتفاع ملحوظ في نهاية تعاملات الثلاثاء 24 مارس 2026، بزيادة تراوحت بين 30 و41 قرشًا في البنوك، مما يزيد من تكلفة الاستيراد وتضاعف الأعباء التضخمية.

​التضخم يلتهم الدخول وانكماش يضرب القطاع الصناعي
أما على أرض الواقع، قفز التضخم الحضري إلى 13.4% في فبراير 2026، وهو الأعلى منذ يوليو 2025، مدفوعًا بزيادة أسعار اللحوم والخضروات بنسبة 9%.
وأشار المرصد إلى أن القطاع الصناعي غير النفطي هبط إلى منطقة الانكماش مسجلاً 48.9 نقطة في مؤشر مديري المشتريات نتيجة نقص إمدادات الغاز، ولم تتوقف الضغوط عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل فاتورة السكن التي واصلت الارتفاع في القاهرة والمدن الكبرى، وقطاع المواصلات الذي ينتظر مراجعة محتملة للأسعار في الربع الثاني من 2026 إثر زيادة أسعار الوقود الأخيرة.

​موازنة الدولة بين مطرقة الدين وسندان الدعم
هذا و​تظهر البيانات حالة من عدم الاستقرار، حيث تستهدف الحكومة خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي لتصل إلى نحو 84% نزولاً من 96%، إلا أن ارتفاع تكلفة الاقتراض الداخلي التي تتراوح عوائد أذون الخزانة فيها بين 27-28% تضغط بقوة على الموازنة.

​جذب الاستثمارات وتعزيز الشفافية النقدية.. طوق النجاة
​ويرى الخبير الاقتصادي، الدكتور هاني أبو الفتوح، أن الأولوية القصوى الآن يجب أن تتركز في منع انتقال ضغوط سعر الصرف إلى موجة تضخم شاملة قد تكسر حاجز النمو.

واقترح أبو الفتوح ضرورة تعزيز الشفافية النقدية بشأن صافي الأصول الأجنبية لتهدئة الأسواق، مع توجيه الفائض المالي الناتج عن ترشيد الدعم فورًا إلى شبكات حماية اجتماعية أكثر استهدافًا وكفاءة.

وشدد على أهمية تسريع وتيرة جذب الاستثمارات الأجنبية الإنتاجية المباشرة لتقليل الارتهان للأموال الساخنة سريعة الخروج، محذرًا من أن استمرار ارتفاع تكلفة التمويل سيزيد الضغط على الموازنة والاحتياطي النقدي في آن واحد.

​نصائح “المرصد” للمواطن في ظل التقلبات
هذا وا​ختتم المرصد تقريره بتوصيات عملية للمواطنين، مؤكدًا على ضرورة تبني إدارة محافظة للمدخرات، وتفضيل الأدوات ذات العائد المرتفع والسيولة الواضحة.
وأوضح التقرير أن الذهب يظل أداة تحوط جزئي وليس رهانًا كاملاً للادخار، خاصة عند مستوياته المرتفعة حاليًا، كما نصح بتأجيل القرارات التمويلية الكبرى مثل شراء السيارات أو العقارات عبر القروض حتى اتضاح الرؤية بشأن مسار الفائدة، مع مراجعة بنود الاستهلاك الشهري لمواكبة الارتفاعات المتوقعة في تكاليف النقل والطاقة.