
تخوض الدولة المصرية مرحلة حاسمة في ملف إدارة أصولها الاقتصادية، حيث تم قيد ست شركات مملوكة للدولة قيدًا مؤقتًا بالبورصة المصرية، وهي خطوة تأتي في خضم تحولات جيوسياسية واقتصادية بالغة التعقيد؛ فمن جانب يبرز قرار وقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران وإعادة فتح مضيق هرمز كعامل تهدئة يعزز تدفقات التجارة، ومن جانب آخر تفرض الأرقام الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء واقعًا ضاغطًا على الأسواق، بعد أن سجل معدل التضخم السنوي قفزة لتصل إلى 13.5% في مارس 2026 مقارنة بـ 11.5% في فبراير، وهو ما يضع هذه الطروحات أمام تساؤل جوهري حول جدواها في توفير ملاذ آمن للمواطن أمام تآكل القوة الشرائية للعملة.
وفي ذلك قال خبير أسواق المال، الدكتور أحمد عبد الفتاح، أن القيد المؤقت لهذه الشركات يهدف إلى جس نبض السوق ورفع جاهزية المؤسسات قبل الطرح الفعلي، مؤكدًا أن هذه الخطوة تمنح الشركات فرصة للالتزام بقواعد الحوكمة والإفصاح بشكل طوعي، مما يساهم في بناء سجل ثقة مع المستثمر الفرد قبل المؤسسي.
وأشار إلى أن هذا المسار يعزز من عمق سوق المال المصري ويجعله أكثر قدرة على استيعاب رؤوس أموال جديدة في وقت يبحث فيه الجميع عن وعاء ادخاري يتجاوز معدلات التضخم الشهرية التي بلغت 3.3%.

حماية مدخرات الأسر المصرية من عاصفة “الرقم القياسي للأسعار”
وأوضح أن وصول الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين إلى 284.4 نقطة لشهر مارس 2026 يعكس حجم الأعباء التي يتحملها المواطن، مؤكدًا أن طرح شركات حكومية كبرى في قطاعات متنوعة يمثل فرصة لإعادة توجيه السيولة نحو استثمارات منتجة بدلاً من الاستهلاك الذي يغذيه التضخم.
وأكد أن التحدي الأكبر يكمن في مدى قدرة هذه الطروحات على تقديم عائد حقيقي يفوق نسبة التضخم السنوية البالغة 13.5%، لضمان عدم تضرر أصحاب المدخرات الصغيرة الذين يأملون في الحفاظ على قيمة أموالهم وسط موجات الغلاء المتتالية.
انعكاسات التهدئة الإقليمية على جذب الاستثمارات الأجنبية
وأفاد خبير أسواق المال بأن استئناف العمل بمضيق هرمز يزيل غيمة من عدم اليقين كانت تسيطر على قرارات المستثمرين، مؤكدًا أن هذا الاستقرار الأمني يقلل من تكلفة التأمين والشحن، وهو ما قد ينعكس إيجابًا على أداء الشركات المقيدة التي ترتبط أعمالها بالتجارة الدولية، مشيرًا إلى أن توقيت القيد يأتي في لحظة فنية مواتية، حيث يستفيد من حالة الهدوء الإقليمي لجذب المؤسسات الدولية التي تبحث عن فرص في الأسواق الناشئة بعد زوال مخاطر الصدام العسكري، مما يدعم تسريع برنامج الطروحات الحكومية وزيادة حصيلة الدولة من العملة الصعبة.
مخاطر نقص السيولة المتاحة للمواطن وتحديات التغطية
وعلى جانب آخر، أشار عبد الفتاح إلى وجود مخاوف تتعلق بمدى توفر السيولة لدى المواطنين للمشاركة في هذه الاكتتابات، خاصة مع الارتفاع الملحوظ في تكلفة المعيشة المسجل خلال الربع الأول من عام 2026، موضحًا أن القيد المؤقت يتيح للشركات “الترويج المسبق” لاختبار مدى شهية السوق، محذرًا من أن الضغوط التضخمية قد تدفع البعض لتفضيل الاحتفاظ بالسيولة لمواجهة الطوارئ المعيشية بدلاً من الاستثمار طويل الأجل.
وأكد أن نجاح هذه الخطوة يتوقف على تقديم محفزات سعرية تجعل من سهم الشركات الحكومية خيارًا لا يمكن تجاهله للمواطن الباحث عن الاستقرار المالي.
تأهيل الشركات كمحرك لرفع كفاءة الخدمات العامة
ولفت إلى أن الهدف من إدخال هذه الشركات إلى بيئة البورصة هو إخضاعها لرقابة صارمة تضمن رفع كفاءتها التشغيلية، لافتًا الى أن المواطن هو المستفيد الأول من تحول هذه الشركات إلى كيانات تطبق الشفافية، حيث ينعكس ذلك على جودة الخدمات والمنتجات التي تقدمها.