
تراجعت في الأونة الأخيرة المدارس بشكل ملحوظً في مستوى الأنشطة المدرسية داخل عدد كبير من المدارس الحكومية، رغم تأكيد وزارة التربية والتعليم مرارًا على ضرورة تفعيل الأنشطة باعتبارها مكوّنًا أساسيًا في تكوين شخصية الطالب، وتنمية مهاراته، وتعزيز سلوكه، هذا الغياب ترك فجوة واضحة داخل البيئة التعليمية، ظهر تأثيرها في زيادة العنف بين الطلاب، وضعف الانتماء، وتراجع مهارات التواصل.
غياب الانشطة
تشكو كثير من المدارس الحكومية من غياب البنية الأساسية اللازمة لتفعيل الأنشطة، تقول سحر السيد، معلمة تربية فنية بمدرسة ابتدائية في الجيزة ”معندناش خامات كفاية، ولا مكان مناسب.” المدرسة كلها فصول مزدحمة، وحتى فناء المدرسة بيستخدم للحصص بسبب الكثافة”.
ويقول طلاب في المرحلتين الإعدادية والثانوية إن الأنشطة أصبحت في كثير من الأحيان “حصص فراغ”. يقول الطالب محمود علي: “حصة الرياضة بنتجمع في الفناء نص ساعة من غير تدريب، ومرة بيخلونا نساعد في نقل كراسي أو تنظيف المكان، النشاط بقى بلا قيمة”.
في مدارس أخرى، يتم إلغاء حصة النشاط تمامًا لتعويض عجز المعلمين أو لدمج فصول، مما يجعل اليوم الدراسي مقتصرًا على الحصص الأكاديمية فقط، دون أي مساحة لبناء مهارات أو تفريغ طاقة الطلاب.
رأي الخبراء
يرى الخبير التربوي دكتور تامر شوقي أن أزمة الأنشطة ناتجة عن “تراجع الاهتمام الرسمي بها”ان المدارس تركز على الامتحانات،

والمعلم تحت ضغط المناهج، والأنشطة تحتاج إدارة وتجهيزات، بينما الإدارات المدرسية مشغولة بتغطية العجز وضبط العملية التعليمية. ويضيف أن المدارس أصبحت بيئة غير مناسبة لممارسة النشاط، متسائلا “كيف يمارس الطالب نشاطًا في فصل به 70 طالبًا؟ أو فناء مشغول بمعرض دائم؟ منوها إلى أن غياب المساحات أحد الأسباب الجوهري
أما الأخصائي النفسي دكتورة منى الحسيني فترى أن النشاط المدرسي ليس ترفيهًا كما يعتقد البعض، بل عنصرًا مهمًا لضبط السلوك “الطلاب يفرّغون طاقتهم في النشاط لو لم يحدث ذلك، تتحول هذه الطاقة إلى عنف أو شغب. وهذا ما رأيناه بوضوح خلال السنوات الأخيرة”.
وتشير إلى أن 60% من حالات الشغب المدرسي مرتبطة بغياب الأنشطة المنظمة، وفق تقديراتها المبنية على دراسات ميدانية وخبرتها كأخصائية نفسية في مدارس متعددة.
العنف المدرس نتيجة لغياب الأنشطة
شهد عام 2023 تزايدًا ملحوظًا في وقائع العنف بين الطلاب، سواء مشاجرات، أو تنمّر، أو اعتداءات لفظية وجسدية، ويؤكد خبراء السلوك أن النشاط المدرسي كان يمكنه الحدّ من أغلب هذه الحالات.
يقول الأخصائي الاجتماعي أحمد جابر، إن “الطالب الذي بيلعب رياضة، أو بيمثل في المسرح، أو بيمارس رسم أو موسيقى… مستحيل أنيكون عدواني بالشكل الذي نراه الآن. النشاط كان زمان هو الذي بيكشف المواهب وبيخلق انتماء للمدرسة”.
ويضيف أن غياب النشاط أضعف علاقة الطالب بمدرسته بشكل كبير، فأصبح يرى المدرسة مكانًا للحضور الإجباري فقط، وليس بيئة لتنمية الذات.
كما تؤكد دراسات تربوية أن الطلاب المشاركين في الأنشطة المنتظمة تقل لديهم احتمالات السلوك العدواني بنسبة تصل إلى ٪40.
الأثرالنفسي والتربوي على الطلاب
يرى المختصون أن لنشاط ليس مجرد ترفيه، بل يساعد في بناء شخصية متوازنة، ومع غيابه، يعاني الطلاب من ضعف المهارات الاجتماعية: عدم القدرة على الحوار والعمل الجماعي، وزيادة التوتر والضغط النفسي، لعدم وجود متنفس آمن داخل اليوم الدراسي.
كما أنه يؤدي إلى انخفاض الإبداع في ظل غياب حصص الرسم والموسيقى والمسرح يحرم الطلاب من التعبير عن الذات، وكذلك يعمل على تراجع الانتماء للمدرسة التي لا توفر نشاطًا تفقد روحها وهويتها.
الحلول المقترحة
قدّم الخبراء عدة مقترحات لإعادة تفعيل الأنشطة داخل المدارس:
1. إعادة هيكلة اليوم الدراسي بتخصيص ساعتين أسبوعيًا إجباريتين للأنشطة، مع رقابة فعلية على تنفيذ ذلك.
2. توظيف أخصائيين متخصصين
تعيين كوادر مدربة في الرياضة والموسيقى والفنون، مع توفير حوافز لهم.
3. الشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني
لإقامة ورش، ومهرجانات فنية ورياضية داخل المدارس.
4. تطوير البنية التحتية
استغلال الساحات، وإنشاء غرف نشاط منخفضة التكلفة بدل إلغائها.
5. تغيير ثقافة المدرسة
بحيث لا يكون النشاط مادة هامشية، بل جزءًا من تقييم الطالب وتنميته.