نهاد شعبان

في تاريخ الفن هناك نجوم يولدون في دائرة الضوء، وآخرون يصنعون نورهم بصبر طويل، حتى لو جاء متأخرًا، حيث ينتمي عبد العظيم عبد الحق إلى الفئة الثانية، فكان فنانًا لم يعرفه الجمهور على نطاق واسع إلا بعد أن تجاوز الستين، لكنه حين ظهر، ترك أثرًا لا يُمحى، وكأنه كان ينتظر لحظته المناسبة فقط، حيث ولد عبد العظيم عبد الحق عام 1905 في محافظة المنيا، داخل أسرة محافظة لم تكن ترى في الفن مستقبلا، لذلك لم يكن طريقه سهلا، بل بدأ من الهامش، متحديًا رفض العائلة ونظرة المجتمع، لم يدخل الفن من بوابة التمثيل، كما قد يظن البعض، بل كان شغفه الأول هو الموسيقى.

موسيقي قبل أن يكون ممثلاً
تلقى عبد العظيم تعليمه الموسيقي على يد كبار شيوخ الطرب، أبرزهم زكريا أحمد، ما منحه أساسًا فنيًا قويًا، كما عمل ملحنًا لعدد من الأغاني، وشارك في الحياة الموسيقية لفترة طويلة، لكنه لم يكن من الباحثين عن الشهرة أو الأضواء، وكان أقرب إلى “فنان الظل” الذي يبدع بعيدًا عن عدسات الكاميرا، وهذه المرحلة من حياته تُعد مفتاحا مهما لفهم شخصيته الفنية؛ فقد كون حسًا عميقًا بالإيقاع والتعبير، وهو ما سينعكس لاحقًا في أدائه التمثيلي، حيث كان يعتمد على الصدق والبساطة بدلا من المبالغة.

بداية متأخرة.. لكنها مختلفة
لم يتجه عبد العظيم عبد الحق إلى التمثيل بشكل جاد إلا في سن متقدمة، في وقت كان كثيرون من أبناء جيله قد حققوا شهرتهم أو بدأوا في التراجع، لكنه لم ينظر إلى العمر كعائق، بل كفرصة ليقدم نوعًا مختلفًا من الأداء، يعتمد على الخبرة الحياتية لا الحضور الشكلي، وظهر في أدوار صغيرة ومتفرقة في السينما والتلفزيون، وغالبًا ما جسد شخصية “الرجل البسيط” أو الموظف أو الأب، وهي أدوار قد تبدو عادية، لكنها كانت تحمل عمقًا إنسانيًا جعله قريبًا من الجمهور.

لحظة الانتصار
جاءت لحظة التحول الحقيقية في حياته من خلال مشاركته في فيلم الإرهاب والكباب، إلى جانب عادل إمام، ورغم أن ظهوره لم يكن طويلا، فإن أداءه كان كافيًا ليخطف الانتباه ويثبت أن “الدور الصغير” يمكن أن يصنع مجدًا كبيرًا، وفي هذا العمل، قدم عبد العظيم نموذجًا للممثل الذي لا يحتاج إلى مساحة زمنية طويلة ليؤثر، بل يعتمد على الحضور والكاريزما والصدق، كانت تلك اللحظة بمثابة “انتصار متأخر”، لكنها أيضًا كانت تتويجًا لرحلة طويلة من الصبر.

سر الانتصار بعد الستين
قد يبدو غريبًا أن يحقق فنان نجاحه الأكبر بعد الستين، لكن في حالة عبد العظيم عبد الحق، يمكن تفسير ذلك بعدة عوامل أولا، تراكم الخبرة، فسنوات العمل في الموسيقى والحياة العامة منحته فهمًا عميقًا للشخصيات الإنسانية، وهو ما انعكس في أدائه الطبيعي، ثانيًا، غياب السعي للنجومية، حيث لم يكن يبحث عن البطولة، بل كان يؤدي أدواره بإخلاص، وهو ما جعله أكثر صدقًا وأقرب إلى الجمهور، ثالثًا تغير طبيعة الصناعة، ففي سنواته الأخيرة، بدأت السينما المصرية تمنح مساحة أكبر للشخصيات الثانوية المؤثرة، وهو ما أتاح له الظهور بشكل لافت، وأخيرًا القبول الجماهيري للشخصيات الواقعية، حيث وجد الجمهور في ملامحه وأدائه انعكاسًا لشخصيات حقيقية من حياتهم اليومية.

أعماله.. حضور قليل وتأثير كبير
رغم أن رصيده الفني في التمثيل لم يكن ضخمًا مقارنة بغيره، فإن عبد العظيم عبد الحق شارك في عدد من الأعمال التي تركت أثرًا واضحًا، خاصة في أدوار الرجل البسيط أو الحكيم أو الموظف التقليدي، وتميزت هذه الأدوار بأنها لم تكن “استعراضية”، بل قائمة على التفاصيل الصغيرة، مثل نبرة الصوت ونظرة العين، وهي عناصر يصعب إتقانها دون خبرة طويلة، من بينها لصوص خمس نجوم، والإرهاب والكباب، ومسلسل الغول، ومسلسل البحث عن عبده، ومسلسل الشهد والدموع وغيرها الكثير من الأعمال الدرامية العظيمة، ثم رحل في 3 أبريل 1993، بهدوء يشبه مسيرته، دون ضجيج أو صخب، لكن الزمن أنصفه لاحقًا، حيث أصبح اسمه حاضرًا كلما ذُكرت النماذج الفنية التي أثبتت أن النجاح لا يرتبط بعمر معين.