
مع حلول اليوم الأول من شهر أبريل كل عام، تبدأ المناوشات التي لا تخلو من الضحك والفكاهة بين الناس وبعضهم البعض في الكلام، واختيار ما يبدو غير واقعي وغير قابل للتصديق، تحت مسمى ” كذبة أبريل”.
ما يروجه الناس، بهدف الترويح عن النفس دون الخوض في مدى صحة أو عدم صحة ما يُروج تحت مسمى كذبة أبريل، في بعض الأحيان يتطور ليُتخذ على محمل الجد، لا سيما في ظل الانتشار الواسع للتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي.
ومع حالة التحفز لدى ملايين من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، كلًا يجد ما يعبر عن ما داخله من تعليق ما، لا يعبأ بصحة ما يقرأه أو يراه، وهو ما يخلق حالة تفاعل كبيرة تصل بنا إلى “الترند”، ما يقابله في نهاية المطاف مُروج التعليق أو “البوست” بأنها كذبة أبريل.

حبس سنة
القانون تعامل بحزم مع ترويج الإشاعات بكل أنواعها، سواء كانت ” كذبة أبريل” أو غيرها، وحددت المادة 188 من قانون العقوبات، غرامة قد تصل إلى 20 ألف جنيه.
كما نصت المادة على، “يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من نشر بسوء قصد بإحدى الطرق المتقدم ذكرها أخباراً أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو أوراقاً مصطنعة أو مزورة أو منسوبة كذباً إلى الغير، إذا كان من شأن ذلك تكدير السلم العام أو إثارة الفزع بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة”.
كما نصت لمادة رقم 80 (د) على: يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن 100 جنيه ولا تجاوز 500 جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل مصرى أذاع عمداً فى الخارج أخباراً أو بيانات أو إشاعات كاذبة حول الأوضاع الداخلية للبلاد وكان من شأن ذلك إضعاف الثقة المالية بالدولة أو هيبتها واعتبارها أو باشر بأية طريقة كانت نشاطاً من شأنه الإضرار بالمصالح القومية للبلاد.

عادة غربية لا أصل لها في شرعنا الحنيف
وفي ذات السياق، دار الإفتاء بادرت بسرد تفصيلي لموقف الشرع من تلك الكذبة، بين المزاح المباح والكذب المحرم.
“كذبة أبريل” أو “يوم كذبة أبريل” هي عادة غربية الأصل، وفقًا لما نُشر على الموقع الرسمي لدار الإفتاء، تنتشر في أول أبريل من كل عام، يتداول فيها الناس الأخبار المكذوبة والأحداث الوهمية بحجة الترويح عن النفس.
وأوضحت دار الإفتاء المصرية، أن هذه العادة لا أصل لها في شرعنا الحنيف، ولا في تقاليدنا العربية الأصيلة، وإنما هي تقليد دخيل على مجتمعاتنا.
وليس معنى أن عادة ما تكون شائعة بين الناس أن تصبح مشروعة، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» [سنن أبي داود:٤٠٣١]، فتشبهنا بهذه العادة الغربية يجعلنا ندخل في مشابهتهم، وهذا مما لا يليق بمسلم يعتز بدينه وهويته.

الكذب محرم في كل وقت وحين
جاء في فتوى دار الإفتاء المصرية أن الكذب محرم في كل الأوقات والأحوال، سواء كان في أول أبريل أو في غيره، وسواء كان بقصد المزاح أو الجد، وسواء ترتب عليه ضرر أو لم يترتب [انظر: فتوى دار الإفتاء المصرية، رقم ٢١٥٠، ٢٨ مارس ٢٠١٩].
وإنما أباح الشرع الكذب في حالات ضيقة ومحدودة، كالكذب في الحرب وللإصلاح بين الناس، أو كذب الرجل على زوجته فيما يحسن العلاقة الزوجية من وعد أو مدح لا ضرر فيه، وهذه حالات استثنائية لا يقاس عليها غيرها.
وأوضحت دار الإفتاء المصرية أن “كذبة أبريل” لا تدخل في هذه الاستثناءات، لأنها ليست حربًا ولا إصلاحًا بين الناس، وإنما هي كذب محض، يقصد به التسلية والضحك على حساب الآخرين.
إن الإسلام لم يحرم المزاح والمرح والترويح عن النفس، بل أباح ذلك في مواضع كثيرة، ولكن بشرط ألا يخرج عن حدود الصدق والأخلاق، فقد ثبت أن النبي ﷺ كان يمزح ولا يقول إلا حقًا، قال الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه: قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا؟ قال: «إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا» [رواه الترمذي:١٩٩٠ وقال حديث حسن].

الكذب يزرع الوحشة بين الناس
فالمزاح المشروع هو الذي يخلو من الكذب، والذي لا يؤذي أحدًا، والذي لا يخيف الناس ولا يروعهم، فقد قال النبي ﷺ: «لَا يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا وَلَا جَادًّا» [رواه أبو داود، ٥٠٠٣]، فإذا كان أخذ المتعة على سبيل المزاح منهيًا عنه، فكيف بالكذب الذي هو أكبر من ذلك؟
ومن أعظم مفاسد كذبة أبريل أنها تزرع الوحشة والريبة بين الناس، وتفقد الثقة بينهم، فإذا اعتاد الناس أن يكذب بعضهم على بعض في هذا اليوم، أصبح كل خبر يشك فيه، وكل حديث يتهم بالكذب، وهذا يهدم أواصر المحبة والأخوة التي أمرنا الله بها.
وفي السياق ذاته، قال الدكتور هشام ربيع، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، إن مسمى “كذبة أبريل” غريب عن القيم الإسلامية، ولا يمتّ لهويتنا بصلة، موضحًا أن النصوص الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية جاءت واضحة فى الحث على الصدق والنهى عن الكذب.
الكلمة كالرصاصة.. وترويج الشائعات يترتب عليه أضرار مجتمعية كبيرة
وأشار ربيع إلى أن خطورة “كذبة أبريل” تزداد في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتحول الكلمة إلى شائعة تصل إلى ملايين الأشخاص، مؤكدًا أن الكلمة تكون كالرصاصة في تأثيرها، وأن ترويج الشائعات لا يُعد مجرد كذبة عابرة بل قد يترتب عليه أضرار مجتمعية كبيرة.
وشدد على أن القاعدة الشرعية واضحة، وهى أن الغاية لا تبرر الوسيلة، فلا يجوز الكذب أو نشر شائعة بحجة إضحاك الناس أو تحقيق هدف معين، كما لا يجوز ارتكاب الخطأ بدعوى تحقيق مصلحة، مؤكدًا أن الإنسان يُحاسب على كل ما ينطق به.