في عيد الأم.. أم لم تُنجب أبناء لكنها أنجبت وطنًا

في صباح يشبه كل صباحات عيد الأم، تمتلئ البيوت بالورود والكلمات الدافئة، لكن في زاوية راسخة من الذاكرة المصرية، تقف امرأة لا تحتاج الى باقة ورد كي تذكر، لان اسمها نفسه صار وردة في تاريخ الوطن.

رغم انها حرمت من الامومة البيولوجية، فانها تحولت الى ام لكل المصريين،  انها صفية زغلول.

تعد صفية زغلول واحدة من ابرز النماذج النسائية التي تجاوزت حدود الاسرة الى رحابة الوطن، حيث ارتبط اسمها بمحطات فارقة في تاريخ مصر، على رأسها ثورة 1919.

وخلال هذه المرحلة، لم تكن مجرد زوجة للزعيم سعد زغلول، بل تحولت الى رمز شعبي، اطلق عليه الجماهير لقب “ام المصريين”، تقديرا لدورها في لحظة صنعت وجدان الامة.

رغم هذه المكانة الكبيرة، حملت حياتها جانب انساني مؤثر، تمثل في حرمانها من الأمومة البيولوجية، اذ لم تنجب ابناء.

غير ان هذا الحرمان لم يكن غيابا، بل بداية لمعنى اوسع؛ فمع تصاعد دورها الوطني، احتضنت قضية وطن، ووقفت سندا لجيل كامل من المصريين، الذين رأوا فيها أما حقيقية.

وهكذا، تحولت الأمومة من رابطة بيولوجية الى علاقة انسانية عميقة، جعلت من صفية زغلول نموذجا فريدا للام في معناها الوطني.

 “ام المصريين”

ارتبط اسم صفية زغلول بلقب “أم المصريين”، وهو لقب يحمل بين طياته قصة وطنية مؤثرة. بعد أن أقدمت السلطات الإنجليزية على نفي سعد زغلول خارج البلاد، احتشدت الجماهير أمام “بيت الأمة”، تبحث عن صوت يمثلها ويدافع عن قضيتها.

في تلك اللحظة، قررت صفية زغلول توجيه رسالة حاسمة إلى المتظاهرين. خرجت سكرتيرتها لتقرأ بيانًا تاريخيًا جاء فيه: “إن كانت السلطة الإنجليزية الغاشمة قد اعتقلت سعدًا ولسانه، فإن قرينته شريكة حياته السيدة صفية زغلول تشهد الله والوطن على أنها ستضع نفسها في نفس موقع زوجها العظيم من التضحية والجهاد من أجل الوطن، وأنها تعتبر نفسها أماً لكل هؤلاء الأبناء الذين خرجوا يواجهون الرصاص دفاعًا عن الحرية.”

ما إن انتهت تلاوة البيان، حتى ارتفع هتاف من قادة المظاهرات، “تحيا أم المصريين”، وردده آلاف المتظاهرين. ومنذ تلك اللحظة، تخلى لقب صفية مصطفى فهمي عن ألقاب الباشوات، واكتفت بهذا اللقب الذي رافقها طوال حياتها وحتى بعد رحيلها بثمانية عقود، ليعوضها حب الملايين عن حرمانها من الأمومة البيولوجية.

منذ تلك اللحظة، لم تعد صفية مصطفى فهمي مجرد سيدة من طبقة الباشوات، بل اصبحت رمزا وطنيا خالصا، واكتفت بلقب “ام المصريين”، الذي لازمها طوال حياتها، وبقي شاهدا على علاقة استثنائية بينها وبين شعب كامل، عوضها عن امومة لم تعشها بالمعنى التقليدي.

ولدت صفية زغلول عام 1878 لاسرة ارستقراطية، فهي ابنة مصطفى فهمي باشا، احد اوائل رؤساء وزراء مصر. ورغم حياتها المترفة، لم تنفصل عن قضايا وطنها، بل لعبت دورا مؤثرا في دعم زوجها سعد زغلول منذ بداياته، حتى صار قائدا لثورة 1919. وظلت صفية زغلول رمزا للنضال حتى رحيلها عام 1946، تاركة وراءها تاريخا حافلا بالعطاء الوطني.

وتبقى صفية زغلول نموذجا نادرا لامرأة لم تنجب طفلا، لكنها احتضنت وطن، وكتبت اسمها في ذاكرة المصريين كأم لا تغيب.