أشرف أمين

منذ اندلاع ثورة 25 يناير 2011، تُطرح على الساحة مطالب قوية بسن قانون العدالة الانتقالية كآلية لمعالجة الانتهاكات الماضية، وكجسر لتعويض الضحايا والمساءلة والمصالحة، حسب الدستور، كان من المفترض أن يكون لهذا القانون وجود سريع وفعال، لكن على الأرض نجد تأخرًا طويلًا ووعودًا غير مُنفذة، ما يثير تساؤلات حول جدوى الاستحقاق الدستوري وأهمية العدالة الانتقالية في مجتمع ما بعد الثورة.
التزام المادة 241
بعد ثورة 25 يناير، تم تعديل الدستور وأُقر دستور جديد عام 2014، تضمن هذا الدستور في المادة 241 نصا صريحًا يُلزم مجلس النواب، في أول دور انعقاد له بعد نفاذ الدستور، بإصدار قانون للعدالة الانتقالية يكشف الحقيقة، ويحاسب الجناة، ويقترح أطرًا للمصالحة الوطنية، ويعوض الضحايا وفق المعايير الدولية، ولكن على الرغم من هذا الالتزام الدستوري، لم يسرع البرلمان في إقرار القانون كما كان متوقعًا.
محاولة عام 2013
قبل إقرار دستور 2014، عُرض أول مشروع قانون للعدالة الانتقالية في يناير 2013، أعدته لجنة تقصي الحقائق المُشكّلة في أعقاب الثورة،اشتمل المشروع على تعريف “الضحايا” من النظام السابق منذ نوفمبر 1981 حتى يونيو 2012، وضمن أحكامًا لمحاكمتهم وتعويضهم، هذا المشروع لم يُتخذ طريقه إلى التشريع، وذلك في ظل الظروف السياسية المتقلبة بعد الثورة.
وزارة العدالة الانتقالية
في عام 2014، تم تأسيس وزارة العدالة الانتقالية بهدف وضع استراتيجية ملموسة لتفعيل المبادئ الدستورية للعدالة الانتقالية، مثل كشف الحقيقة والمحاسبة والمصالحة.
وفي أكتوبر من نفس العام، أصدر وزير العدالة الانتقالية قرارًا لتشكيل لجنة لصياغة مشروع قانون خاص بإعادة توطين أهالي النوبة، ضمن خطط أوسع لمعالجة أضرار قديمة وتعزيز التنمية الاجتماعية، هذه الخطوات الرسمية أثارت آمالًا، لكنها لم تترجم بعد إلى قانون شامل يغطي كافة مطالب العدالة الانتقالية.
في سبتمبر 2016، نشأ جدل برلماني حول العدالة الانتقالية، حيث أكّدت اللجنة التشريعية أن القانون معقّد ويتطلب جلسات استماع ومشاركة المجتمع، وطُلب رأي جهات أخرى قبل إقراره.

معوقات قانونية وإجرائية
وقال عصام هلال، الأمين العام المساعد لحزب مستقبل وطن، إن تأخر القانون يعود جزئياً إلى صعوبة صياغة قانون يوازن بينمحاسبة رموز الماضي، ووضع آليات لتقصّي الحقائق تتطلب وقتًا وبنية مؤسسية قوية، وتحديد من يمكن إدراجهم في إطار المصالحة، ومع من، وكيف، وفق ضوابط شرعية وقانونية،
وأضاف أن من الصعوبات أيضًا تقدير التعويضات وتحديد الفئات المستحقة، واختيار آليات التوزيع، وتعديل مؤسسات الدولة لضمان عدم تكرار الانتهاكات.
كما أشار إبراهيم الهنيدي، الوزير السابق للعدالة الانتقالية إلى أن الحكومة ليس لديها مصلحة في التأخير، لكنها تسعى إلى “حوار مجتمعي” مع جهات متعددة لضمان قبول القانون، وهذا الموقف يعكس رغبة رسمية في الحذر والتدرّج بدلاً من السرعة، لكن التأخير المستمر يثير الشكوك حول الجدية.

غياب الإرادة السياسية
أكد وليد العماري، المتحدث الرسمي لحزب الدستور، أن واحدة من أبرز العقبات هي نقص إرادة سياسية قوية من بعض الأطراف لإقرار العدالة الانتقالية بالكامل، مشيرًا إلى أن تطبيق القانون قد يطال فئات أو جهات معينة بطريقة تثير ردود فعل غير مرغوبة، خصوصًا إذا طالت “المصالحة” أطرافًا سياسية مثيرة للجدل، مثل الإخوان.
وأضاف “العماري”، أن التأجيل المستمر يُجعل مطلب الضحايا مجرد وعد دستوري باقٍ على الورق، دون تحقيق فعلي على أرض الواقع، متابعًا:” هذه المخاوف السياسية تجعل من قانون العدالة الانتقالية قضية شائكة جدًا، خصوصًا في بيئة يُنظر فيها إلى المصالحة على أنها مخاطرة”.
وأردف المتحدث باسم حزب الدستور:” استمرار هذا التجميد يقوض الثقة في المؤسسات ويجعل العدالة الانتقالية مطلبًا رمزيًا أكثر منه واقعيًا، كما أن تجاهل القانون يرفع من الضغط على المنظمات الحقوقية والمجتمع المدني لمواصلة المطالبة، لكن من دون إطار تشريعي، تبقى الجهود متفرقة وغير مضمونة النجاح”.
الضحايا في الانتظار
واستطرد: “بعد أكثر من عقد من الثورة، لا يزال كثير من ضحايا 25 يناير وغيرها من الانتهاكات في وضع انتظار، حيث لا توجد آلية رسمية قوية وموحدة تعترف بهم وتعوّضهم بشكل ملموس، كما يُعد ملف المحاسبة شبه جامد، فبدون قانون واضح يصعب خلق مسارات قضائية متخصصة أو لجان تحقيق مستقلة، ويبدو الاستحقاق الدستوري (المادة 241) مهددًا بأن يكون مجرد نص فارغ إذا لم يتحول إلى تشريع فعلي”.
قانون العدالة الانتقالية في مصر ليس مجرد مشروع تشريعي عابر، إنه استحقاق دستوري منذ عام 2014، وحق للضحايا ومطلب للحقيقة والمساءلة والمصالحة، ومع ذلك، بعد أكثر من عشر سنوات على الثورة، لم ير القانون النور الكامل، بسبب تداخل العوائق السياسية والقانونية والمجتمعية، التأخير المزمن يعكس ضعف الإرادة أو الخشية من تبعات المصالحة، ويجعل من نص المادة 241 في الدستور وعدًا غير محقق، لكن مع ذلك، فإن الحاجة للعدالة الانتقالية تظل قائمة، والمطالب لا تستكين، وإحياء الحوار السياسي والمجتمعي، وإعادة هيكلة الجهود التشريعية، قد يكون هو السبيل الوحيد لجعل العدالة الانتقالية واقعًا وليس حلمًا.