
بين ليلة وضحاها، استيقظت القلاع الصناعية المحلية في مصر على واقع اقتصادي شديد القسوة، حيث رسمت الزيادات الأخيرة في أسعار الطاقة ملامح أزمة وجودية للمنتجات الوطنية التي مازالت تصارع للبقاء، إذ أنه لم تكن القفزة التي شهدتها أسعار الكهرباء للشريحة السابعة بنسبة 28% ، أو وصول سعر الغاز لقطاع الأسمدة إلى 8.5 دولار للمليون وحدة حرارية مجرد أرقام في جداول رسمية، بل كانت بمثابة ضربة موجعة في قلب التكلفة الإنتاجية لصناعات لا تعرف طريقًا للتصدير.
أن هذا الاشتعال في فواتير التشغيل، تزامنًا مع سعر صرف للدولار لامس حاجز الـ 54.33 جنيهًا، وضع الصناعة المحلية والمواطن معًا داخل كماشة لا ترحم؛ فالمصنع الذي كان يحاول امتصاص صدمات التضخم الذي سجل 13.4% في فبراير الماضي، وجد نفسه مجبرًا على تمرير هذه الأوجاع إلى جيب المواطن المطحون الذي بات يراقب بحسرة تآكل قوته الشرائية أمام انفجار أسعار السلع الغذائية والأساسية بشكل يومي.
وفي ذلك أكد عضو المجلس المصري للشئون الخارجية والخبير الاقتصادي، الدكتور أحمد سمير، أن الارتفاعات المتتالية في أسعار الطاقة تضع الصناعات المحلية التي تستهدف السوق الداخلي في مأزق تقني ومالي معقد، مشيرًا إلى أن هذه المصانع تفتقد للمظلة التي توفرها العملة الصعبة للمصدرين، مما يجعلها عرضة للانهيار تحت وطأة تكاليف الغاز والكهرباء.
وأوضح سمير أن رفع أسعار الأسمدة بنسبة 21% سيؤدي بالتبعية إلى قفزات في تكاليف الإنتاج الزراعي، وهو ما سينعكس فورًا على أسعار الخضروات والفاكهة بالأسواق.
وأضاف أن المواطن المصري أصبح اليوم هو الممول الأخير لهذه الزيادات رغم بلوغ ضغوط التضخم مستويات قياسية تفوق قدرة الأسر على التكيف، مضيفًا إن استمرار هذا الضغط السعري دون آليات حماية للمنتج المحلي قد يؤدي إلى ركود حاد، حيث تفيض الأسواق ببضائع لا يملك المواطن ثمنها.
أعمدة الاقتصاد تحت الحصار.. الصناعات الأكثر تضررًا
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن الصناعات الغذائية والمعدنية والمنسوجات تتصدر قائمة الضحايا في هذه الموجة؛ فصناعة مثل الألبان والمواد الغذائية التي تعتمد على خطوط إنتاج وتبريد تعمل بالكهرباء على مدار الساعة، وجدت تكاليفها تقفز بنسب تفوق هوامش ربحها البسيطة.
وأضاف أن صناعة الأثاث والورق والملابس الجاهزة تعاني من حصار مزدوج؛ فمن ناحية ارتفعت أسعار المواد الخام بسبب الدولار، ومن ناحية أخرى تضاعفت فواتير الطاقة والوقود اللازمة للنقل والتشغيل، مضيفًا إن هذه الصناعات التي تمثل عصب الاستهلاك المحلي تجد نفسها اليوم عاجزة عن المنافسة أو الاستمرار بنفس معدلات الإنتاج، مما يهدد بغلق ورش صغيرة وكبيرة لا تملك رفاهية الصمود طويلًا أمام فاتورة الطاقة التي لا تهدأ.
فاتورة “الوجع اليومي”
تابع سمير، عندما ترتفع أسعار الطاقة في المصانع، فإن الصدى يتردد فورًا في أزقة الأسواق الشعبية وبيوت البسطاء، إذ أن المواطن الذي يحاول الموازنة بين دخل ثابت وأسعار متحركة، وجد نفسه أمام “فاتورة وجع” تشمل كل تفاصيل يومه؛ إذ أن زيادة سعر الأسمدة والغاز والمواد البترولية تعني أن رغيف الخبز و طبق الفول والخضروات ستشهد زيادات إضافية تتجاوز بكثير نسب التضخم المعلنة.
متابعًا، إنها دورة قاسية من الغلاء تبدأ من محابس الغاز والمحولات الكهربائية وتنتهي بدموع رب أسرة يعجز عن توفير الاحتياجات الأساسية لأبنائه وسط توقعات بارتفاعات أخرى قادمة في أسعار السلع الأساسية.
السباق ضد الزمن مع تضخم مستمر
ومع وصول التضخم إلى 13.4% في فبرراير والتحذيرات من موجات صعود جديدة، يصبح الحديث عن حماية الصناعة المحلية هو حديث عن حماية الأمن الغذائي والاجتماعي للمصريين، حيث إن الأرقام تشير بوضوح إلى أن الضغط الحالي قد يغير خارطة الاستهلاك في مصر تمامًا، حيث تخرج سلع كثيرة من قائمة المتاح لتصبح رفاهية بعيدة المنال.
إن إنقاذ المصنع المحلي من مقصلة الطاقة هو السبيل الوحيد لرفع الضغط عن كاهل المواطن، وضمان ألا تتحول المنتجات الوطنية إلى قطع ديكور في الأسواق، في ظل معادلة اقتصادية يغيب عنها التوازن، ويحضر فيها الألم الإنساني بكل تجلياته.