ما لا نراه في الأطعمة المعلبة.. البلاستيك يتسلل إلى أجسامنا

نهاد شعبان

مع تسارع وتيرة الحياة اليومية، أصبحت الأطعمة المعلبة خيارًا شائعًا لدى ملايين الأشخاص حول العالم، فهي توفر الوقت والجهد، وتتميز بسهولة التخزين وطول مدة الصلاحية، لكن خلف هذه المزايا العملية، يبرز جانب آخر أقل وضوحًا يتعلق بتأثير مواد التغليف، وخاصة البلاستيك، على صحة الإنسان والبيئة، فمع تزايد الدراسات العلمية في السنوات الأخيرة، بدأت التحذيرات تتصاعد بشأن إمكانية تسرب بعض المركبات البلاستيكية إلى الطعام، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول سلامة هذه المنتجات.

تعتمد صناعة الأطعمة المعلبة بشكل كبير على مواد بلاستيكية مختلفة، سواء في العبوات نفسها أو في الطبقات الداخلية التي تُستخدم لعزل الطعام عن المعدن داخل العلب المعدنية، وغالبًا ما تُصنع هذه الطبقات من مواد كيميائية مثل “بيسفينول A” أو مركبات مشابهة له، وهي مواد تُستخدم لتحسين متانة العبوات ومنع تفاعل الطعام مع المعدن، لكن المشكلة تكمن في أن هذه المركبات قد تتسرب بكميات صغيرة إلى الطعام، خاصة عند تعرض العبوات للحرارة أو التخزين لفترات طويلة.

ويحذر عدد من الخبراء من أن التعرض المتكرر لبعض هذه المواد الكيميائية قد يكون له تأثيرات صحية محتملة، إذ تشير دراسات علمية إلى أن بعضها قد يؤثر على الهرمونات في جسم الإنسان، ويُعرف “بيسفينول A” على سبيل المثال بأنه من المواد التي يمكن أن تتداخل مع عمل الجهاز الهرموني، وهو ما قد يرتبط بزيادة مخاطر الإصابة ببعض المشكلات الصحية مثل اضطرابات التمثيل الغذائي أو بعض الأمراض المزمنة.

ولا تقتصر المشكلة على المواد الكيميائية فقط، بل تمتد أيضًا إلى ظاهرة “الميكروبلاستيك”، وهي جزيئات بلاستيكية دقيقة للغاية قد تنتج عن تحلل المواد البلاستيكية بمرور الوقت، وقد أظهرت بعض الدراسات أن هذه الجزيئات الصغيرة يمكن أن تنتقل إلى الطعام أو الماء، ثم تدخل إلى جسم الإنسان عبر الاستهلاك اليومي، وعلى الرغم من أن الأبحاث حول تأثيراتها الصحية ما تزال في مراحلها الأولى، فإن وجود هذه الجزيئات داخل جسم الإنسان أصبح مصدر قلق متزايد لدى العلماء.

إلى جانب التأثيرات الصحية المحتملة، تشكل العبوات البلاستيكية المستخدمة في الأطعمة المعلبة تحديًا بيئيًا كبيرًا، فمع الزيادة الكبيرة في استهلاك المنتجات المعبأة، تتزايد أيضًا كميات المخلفات البلاستيكية التي ينتهي بها المطاف في مكبات القمامة أو في البحار والمحيطات، وتُعد المواد البلاستيكية من أكثر النفايات صعوبة في التحلل، إذ قد تستغرق مئات السنين قبل أن تتحلل بشكل كامل، ما يجعلها أحد أبرز مصادر التلوث البيئي في العالم.

بعض الشركات في السنوات الأخيرة بدأت في البحث عن بدائل أكثر أمانًا وصديقة للبيئة في مجال تغليف الأطعمة، وتشمل هذه البدائل استخدام مواد قابلة لإعادة التدوير بشكل كامل، أو تطوير طبقات داخلية خالية من بعض المواد الكيميائية المثيرة للجدل مثل “بيسفينول A”، كما يجري العمل على تطوير عبوات مصنوعة من مواد حيوية قابلة للتحلل، في محاولة للحد من الأثر البيئي للمنتجات المعبأة.

كما يلعب الوعي الاستهلاكي دورًا مهمًا في تقليل المخاطر المرتبطة بالبلاستيك في الأطعمة المعلبة. فاختيار المنتجات التي تستخدم عبوات أكثر أمانًا، وتجنب تسخين الطعام داخل العبوات البلاستيكية، وتقليل الاعتماد على الأطعمة المعلبة قدر الإمكان، كلها خطوات يمكن أن تساهم في تقليل التعرض لهذه المواد.