متلازمة نرجس..عندما يصنع الفن تعاطفًا مع الجاني

كتب:-إبراهيم العجمي

في موسم درامي مزدحم بالأعمال، لم يكن لافتًا فقط نجاح مسلسل حكاية نرجس في جذب انتباه الجمهور، بل الأثر الأعمق الذي تركه في وجدان المشاهدين، حيث لم يكتفِ بتقديم حكاية مشوقة، بل أعاد تشكيل زاوية النظر نحو الجريمة ذاتها، ودفع كثيرين إلى التعاطف مع مجرمة ارتكبت أفعالًا صادمة، لتظهر حالة يمكن تسميتها بـ”متلازمة نرجس”، وهي تلك اللحظة التي يتحول فيها الجاني إلى ضحية في أعين الجمهور، لا لأن الجريمة لم تقع، بل لأن المعاناة الإنسانية التي سبقتها بدت كأنها تبررها أو تخفف من وطأتها.

وقد لعبت الفنانة ريهام عبد الغفور دورًا محوريًا في ترسيخ هذا التأثير، حيث قدّمت شخصية نرجس بأداء شديد الصدق والعمق، نجح في نقل هشاشة الشخصية وانكسارها الداخلي، ما جعل المشاهد لا يراها فقط كجانية، بل كإنسانة مأزومة تستحق الفهم وربما الشفقة، وهو ما زاد من مساحة التعاطف معها بشكل لافت، وأعاد صياغة موقف الجمهور من أفعالها.

ريهام عبد الغفور

المسلسل قدّم نرجس كامرأة مكسورة تحت ضغط العقم ونظرة المجتمع القاسية، امرأة تبحث عن الأمومة بأي ثمن، ومع تصاعد الأحداث يجد المشاهد نفسه متورطًا عاطفيًا معها، يتفهم دوافعها وربما يغفر لها، وهنا تحديدًا تبدأ الإشكالية، لأن هذه المعالجة الإنسانية العميقة، رغم قوتها الفنية، تفتح الباب أمام إزاحة الضحية من مركز المشهد، لتحل محلها رواية الجاني.

واقع أكثر قسوة وصدمة مزدوجة

بعيدًا عن الشاشة، هناك واقع أكثر قسوة يعيشه أحد الضحايا الحقيقيين، شاب يطلق على نفسه “إسلام الضائع”، لم يجد لنفسه اسمًا أو نسبًا أو حتى تاريخ ميلاد مؤكد، يروي حكايته بصوت يحمل ما هو أبعد من الحزن، يقول خلال لقاء تلفزيوني إنه أجرى أربعة وخمسين تحليل حمض نووي مع أسر فقدت أبناءها، على أمل أن يجد خيطًا يقوده إلى عائلته، لكن جميع النتائج جاءت سلبية، وكأن حياته معلقة في فراغ لا ينتهي، بلا جذور ولا إجابة.

يعيش هذا الشاب اليوم دون بطاقة هوية، دون اعتراف قانوني بوجوده، بعدما ألغت الأسرة التي ربته نسبه إليها عقب اكتشاف الحقيقة، ليجد نفسه منذ سنوات يحاول إثبات من يكون دون جدوى، وفي قلب هذه المأساة يكشف رقمًا صادمًا، أن السيدة التي ربته كانت قد باعت اثنين وعشرين طفلًا حديث الولادة مقابل مبالغ مالية، وهي وقائع مثبتة في التحقيقات، ما يجعل القصة أبعد ما تكون عن مجرد حكاية إنسانية يمكن تبريرها.

نرجس الحقيقية “عزيزة” الشهيرة ببنت إبليس

ورغم كل ذلك، تبقى الصدمة الأكبر بالنسبة له ليست فيما حدث، بل في نظرة الناس اليوم، حيث يرى موجة تعاطف واسعة مع شخصية نرجس امتدت لتشمل من ارتكبت الجريمة في الواقع، بل ووصل الأمر إلى توجيه اللوم له هو لأنه لا يبادل هذه المرأة نفس المشاعر، وكأن الألم الذي عاشه يمكن اختزاله في فكرة أنها كانت حنونة أو أنها قامت بدور الأم، بينما الحقيقة التي يتم تجاهلها ببساطة هي أن له أسرة حقيقية حُرم منها، وأن الحنان الذي يتحدث عنه البعض كان يمكن أن يجده في مكانه الطبيعي لا أن يُنتزع منه قسرًا.

تعاطف أضر بالضحية

هنا تتجلى المفارقة القاسية، فالفن الذي نجح في إنسنة الجاني وكشف دوافعه، أخفق دون قصد في الحفاظ على توازن الحكاية، حيث تراجع صوت الضحية إلى الخلف، وأصبح التعاطف معه أقل حضورًا لصالح سردية أكثر تأثيرًا دراميًا لكنها تحمل خطرًا أخلاقيًا واضحًا، لأن فهم الجريمة لا يعني تبريرها، والتعاطف مع الألم لا يجب أن يتحول إلى محو لحقوق الآخرين.

تبقى “متلازمة نرجس” إشارة تستحق التوقف، ليس لمهاجمة العمل الفني، بل لإعادة التفكير في الطريقة التي نتلقى بها القصص، وفي ميلنا أحيانًا إلى الانحياز للطرح الأكثر تأثيرًا على حساب الحقيقة الأكثر قسوة، لأن الضحية، مهما غابت ملامحه أو ضاع اسمه، يجب أن يظل في قلب الحكاية، لا على هامشها