من “البالة” بـ 50 جنيهًا إلى “الجمعية” بـ 600 ألف.. صراع الأم المصرية مع غول الأسعار

سمر أبو الدهب

​في مطبخ إحدى الأسر المصرية البسيطة في حي السيدة زينب، لا توجد بطاقات ائتمان أو دفاتر شيكات، بل يوجد برطمان زجاجي يقبع فوق الرف، تسميه ربة المنزل “أم سامح” حصالة الفكة، هنا تسكن العملات المعدنية والورقات الصغيرة التي تفيض من رحلة التسوق اليومية.
حيث ​تؤكد التجربة أن ادخار مبلغ يتراوح بين 10 إلى 20 جنيهًا يوميًّا، ليس مجرد فكة مهملة، بل هو رصيدٌ يتراكم ليصبح 7200 جنيهٍ على أقصى تقدير بنهاية العام، هذا المبلغ الزهيد في نظر البعض، هو الذي يعيد ترميم أثاث المنزل، أو يشترى شفاطًا جديدًا للمطبخ، أو يسد ثغرةً مفاجئةً في ميزانية المدارس، إنه “اقتصاد النملة” الذي يعرف جيدًا أن الجبال تُبنى من الحصى الصغير.

​”السايب” يكتسح بـ 10 جنيهات.. معركة المنظفات التي وفرت 5 أضعاف الثمن
​داخل محله المزدحم، يقف “سيد حسن” بائع المنظفات، محاطًا بجراكن المواطنين الفاضية التي تنتظر دورها، يقول سيد، أن الناس هجرت بريق العبوات الملونة التي تملأ شاشات التلفاز من أجل الجركن اليدوي، فالفجوة السعرية بين المنظفات المعلبة والسايبة تجاوزت حاجز الـ 400% بالفعل.
​ويضيف حسن، بينما يُباع لتر الصابون السائل للماركات الشهيرة بأسعار تقترب من 40 جنيهًا، يكتفي المواطن بدفع 10 جنيهات فقط للحصول على لتر من ‘السايب’ ذي التركيز العالي، أما في عالم الكلور، فيقفز السعر من 5 جنيهات للمنتج الشعبي إلى 25 جنيهًا للعبوات المغلفة، مؤكدًا أن هذا الفارق لم يعد رفاهية، بل هو قرار ضروري تتخذه ربات البيوت لتوفير مبالغ توجه مباشرة لشراء مستلزمات غذائية أكثر إلحاحًا.

​فارق الـ 240 جنيهًا.. لماذا يهرع المصريون نحو “شيكارة الجملة”؟
​فيما تحدث “إبراهيم بدر”، رب أسرة، عن تغيير استراتيجي في مطبخه؛ ففي ظل تذبذب الأسعار لم يعد الشراء بالكيلو حلًا اقتصاديًا، يقول إبراهيم لجأنا كعائلة إلى ثقافة الجملة الجماعية؛ فشراء شيكارة أرز وزن 25 كيلو جرامًا من سوق الجملة بمبلغ 760 جنيهًا تقريبًا، يعني أن تكلفة الكيلو تقف عند حاجز 30 جنيهًا ونصف الجنيه تقريبًا.
​ويوضح بدر أن هذه الخطوة توفر فارقًا شاسعًا مقارنة بأسعار التجزئة، حيث أن الكيلو المكسر يبدأ من 35 جنيهًا والسليم يصل لـ 40 جنيهًا، مما يعني توفير 240 جنيهًا في الشيكارة الواحدة، ويُمثل هذا المبلغ ادخارًا مباشرًا يحمينا من تقلبات السوق اليومية، ويؤمّن الوجبة الأساسية لبيتنا لفترة طويلة.

​بـ 50 جنيهًا فقط.. “البالة” تُعيد الأناقة المفقودة للطبقة المتوسطة
​أما “محمد عبد النبي”، الموظف بأحد المطابع الحكومية، فيرى أن أسواق الملابس المستعملة لم تعد حكرًا على الفقراء، بل مقصدًا للطبقة المتوسطة، يقول عبد النبي في الوقت الذي تبدأ فيه أسعار الملابس الجديدة من 250 جنيهًا للخامات الشعبية وتصل إلى 750 جنيهًا للجيدة، تفتح البالة أبوابها لنا بقطعٍ تبدأ من 50 جنيهًا فقط.
​ويضيف، إننا نبحث عن الحودة المفقودة في المنتجات الرخيصة الجديدة؛ فالمعادلة الذكية ترفع شعار أن الأناقة في جودة الاختيار، لا في ارتفاع السعر، وعلى كلٍ مجبر أخاك لا بطل.

​”الجمعية”.. ملحمة التكافل الاجتماعي
في حين ​تحكي “فاطمة علي”، ربة منزل، عن ” نظام الجمعية” بوصفها الاختراع المصري الأهم لمواجهة غلاء المعيشة، تقول فاطمة تطورت الجمعية لتشمل مبالغ ضخمة؛ حيث نشترك في جمعيات يصل سهمها الشهري إلى 50 ألف جنيه، يشترك في دفعها عدة أشخاص بنظام الأسهم المجزأة.
​وتستكمل، عندما يحين موعد القبض الذي يصل إلى 600 ألف جنيه لكل اسم، يتحول الحلم إلى واقع؛ فمنهم من يُزوّج ابنًا، ومنهم من يشتري وسيلة إنتاج تفتح باب رزق جديد للأسرة.

​ عبقرية الصمود ومحاربة الغلاء
​يُنهي الخبير الاقتصادي، أحمد عبد الفتاح، هذا المشهد قائلًا، إن ما نراه ليس مجرد محاولات فردية، بل هو نظام اقتصادي موازي يتسم بمرونة فائقة، فالمواطن المصري ابتكر أدوات تحوط ذاتية لمحاربة غلاء الأسعار والتضخم الذي شارف على 14% أو أكثر خلال شهر أبريل المقبل.

​أضاف “عبد الفتاح”،” أن الجمعيات والادخار العيني في السلع، والتحول نحو المشروعات متناهية الصغر، هي مصدات صدمات اقتصادية حقيقية، فنحن أمام نموذج فريد من الاقتصاد التكافلي يدرك فيه المواطن بفطرته أن التوفير والإنتاج هما حائط الصد الأول والأخير.

بين أرقام الخبراء وحكايات البسطاء، تظل البركة هي العملة الصعبة التي لا تخضع لتقلبات البورصة، ويظل الستر هو الاستثمار الرابح في بورصة القلوب، إن المصريين اليوم يعيدون صياغة مفهوم الغنى؛ فالغني ليس من يملك الكثير، بل من يملك الحكمة لتدبير أقل القليل ليصنع منه حياة كريمة ومستورة، مؤمنين بأن “البركة” تبدأ دائمًا من حسن التدبير.