من الرصيف إلى المصنع.. مشروعات جديدة تعيد توظيف أعقاب السجائر

نهاد شعبان
للوهلة الأولى قد تبدو أعقاب السجائر مجرد بقايا صغيرة بلا قيمة يتم إلقائها على الأرض بعد انتهاء التدخين، لكنها في الواقع تمثل واحدة من أكثر المخلفات انتشارا في العالم، حيث أن هناك مليارات الأعقاب التي تُرمى بشكل يومي في الشوارع وعلى الطرقات وحتى في الشواطئ، لتتحول مع الوقت إلى مصدر تلوث يؤثر على التربة والمياه والكائنات الحية، وخلال السنوات الأخيرة بدأ الاهتمام العالمي بقضايا البيئة وإدارة النفايات، للبحث عن طرق مبتكرة للتعامل مع هذه المشكلة، ليس فقط عن طريق التخلص منها، بل من خلال إعادة تدويرها وتحويلها إلى مواد ومنتجات يمكن الاستفادة منها في العديد من المجالات والابتكارات الحديثة.

وتوضح العديد من التقارير البيئية أن مليارات السجائر يتم استهلاكها يوميًا حول العالم، وينتهي جزء كبير من أعقابها في الشوارع والحدائق والأنهار والبحار، حيث ترجع المشكلة الرئيسية إلى أن فلتر السيجارة مصنوع في الأساس من مادة بلاستيكية تُعرف باسم “أسيتات السليلوز”، وهي مادة تحتاج إلى سنوات طويلة لكي تتحلل، وخلال هذه الفترة قد تطلق مواد ضارة في التربة أو المياه، الأمر الذذي قد يشكل خطرًا على الكائنات الحية والبيئة، كما أن الكثير من الحيوانات والطيور قد تبتلع أعقاب السجائر عن طريق الخطأ، معتقدة أنها طعام، ما قد يسبب لها مشكلات صحية خطيرة، لذلك أصبحت هذه المخلفات مصدر قلق متزايد وتمثل خطرًا على البيئة، مما يتطلب البحث عن حلول مبتكرة تتجاوز طرق التخلص التقليدية منها.

وفي السنوات الأخيرة ظهرت عدة مشروعات تسعى إلى جمع أعقاب السجائر وإعادة تدويرها بطرق مختلفة، ففي بعض المدن، بدأت شركات ومؤسسات بيئية بتنظيم برامج لجمع هذه المخلفات من الأماكن العامة مثل المقاهي والجامعات والمتنزهات، ويتم بعد ذلك نقلها إلى منشآت متخصصة لمعالجتها وإعادة استخدامها في صناعات جديدة، ويعد من إحدى أهم الطرق المستخدمة في إعادة تدوير أعقاب السجائر هي تحويل الفلاتر إلى مواد بلاستيكية قابلة للاستخدام، حيث يتم ذلك عبر تنظيفها ومعالجتها لإزالة المواد السامة منها، ثم إعادة تشكيلها لتدخل في تصنيع منتجات مثل الألواح البلاستيكية أو الأدوات الصناعية، وهذه العملية تساعد على تقليل كمية النفايات المنتشرة في البيئة، كما تقلل الحاجة إلى إنتاج بلاستيك جديد.

أيضًا هناك عدة استخدامات مفيدة لأعقاب السجائر في مجال الطاقة، حيث نجح بعض الباحثين في تحويل هذه المخلفات إلى مواد كربونية يمكن استخدامها في تصنيع بطاريات أو مكثفات طاقة، ورغم أن هذه التقنية ما زالت في مراحل البحث والتطوير، فإنها تُظهر إمكانية تحويل النفايات الضارة إلى عناصر مفيدة في قطاع الطاقة، أما في مجال البناء، فيتم العمل الأن على إدخال أعقاب السجائر المعالجة في صناعة الطوب المستخدم في تشييد المباني، حيث أظهرت تجارب علمية أن إضافة هذه المخلفات إلى الطوب يمكن أن يجعله أخف وزنًا وأكثر قدرة على العزل الحراري، وهذا الأمر قد يساعد في تقليل استهلاك الطاقة داخل المباني، بالإضافة إلى تقليل كمية النفايات التي ينتهي بها المطاف في مكبات القمامة.

بالإضافة إلى ذلك يمكن أن يشارك المجتمع أيضًا في هذه المشروعات والمبادرات من خلال حملات توعية تشجع المدخنين على التخلص من أعقاب السجائر في حاويات مخصصة بدلا من رميها في الشوارع، ويمكن أيضًا تركيب صناديق خاصة لجمع هذه المخلفات في أماكن عامة كثيرة، مثل الحدائق ومحطات المواصلات، لأن الكثير من المدخنين قد لا يدركون أن أعقاب السجائر تعد من أخطر أنواع القمامة الصغيرة، وأن رميها في الشارع قد يلوث البيئة لفترات طويلة، ورغم أن إعادة تدوير أعقاب السجائر ما زالت تواجه بعض الصعوبات، مثل تكلفة جمعها ومعالجتها، إلا أن التجارب الحالية تشير إلى إمكانية تحقيق نتائج إيجابية إذا تم التعاون بين الحكومات والشركات والمجتمع.