جيل الشاشة..حين تتحول القراءةمن المكتبة إلى الهاتف

كتب:- إبراهيم العجمي

كيف تغيّر شكل الثقافة لدى الأجيال الجديدة؟ سؤال يطرح نفسه بقوة مع التحولات الكبيرة التي نعيشها، فالعالم الذي نشأ فيه الشباب اليوم، يختلف جذريًا عن العالم الذي تشكّل فيه وعي الأجيال السابقة،حيث لم تعد المعرفة حبيسة الصفحات المطبوعة أو رفوف المكتبات، بل أصبحت تنتقل بسرعة عبر الشاشات والمنصات الرقمية في مقاطع فيديو قصيرة أو محتوى بصري سريع التداول .

وفي مصر، يمكن ملاحظة هذا التحول بوضوح في المشهد الثقافي المعاصر، فعلى الرغم من أن معرض القاهرة الدولي للكتاب ما يزال واحدًا من أكبر الفعاليات الثقافية في العالم العربي ويجذب ملايين الزوار سنويًا، فإن كثيرًا من الناشرين والكتاب يشيرون إلى مفارقة واضحة، الحضور الجماهيري الكبير لا ينعكس دائمًا بنفس القوة على حجم مبيعات الكتب، هذه المفارقة تعكس تغيرًا في طبيعة استهلاك الثقافة، حيث أصبحت المنصات الرقمية مصدرًا رئيسيًا لاكتشاف الأفكار والمعلومات لدى قطاعات واسعة من الشباب.

الإقبال الجماهيري على معرض القاهرة الدولي للكتاب لم يعد يعكس حجم المبيعات

بيئة ثقافية جديدة محورها الإنترنت

ثقافية وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن نسبة مستخدمي الإنترنت في مصر تجاوزت خلال السنوات الأخيرة 75٪ من السكان، مع تركّز الاستخدام بشكل أكبر بين الفئات العمرية الصغيرة، وقد أدى هذا الانتشار الواسع للإنترنت إلى خلق بيئة ثقافية جديدة أصبح فيها الهاتف المحمول الوسيط الأول الذي يمر عبره قدر كبير من المحتوى الثقافي، سواء في صورة فيديوهات قصيرة أو مقالات مختصرة أو محتوى مرئي سريع التداول، ولا يمكن فهم هذا التحول دون النظر إلى التركيبة السكانية للمجتمع المصري، فالأجيال الشابة تشكل نسبة كبيرة من السكان، وعلى رأسها جيل “زد” الذي يضم المواليد بين عامي 1997 و2012.

هذا الجيل نشأ في بيئة رقمية اتسمت بالانتشار الواسع للإنترنت والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي أما الجيل الذي يليه المعروف بجيل “ألفا”، ويشمل المواليد من عام 2013 وحتى منتصف عشرينيات القرن الحالي تقريبًا، فيُعد أول جيل يولد بالكامل في عالم رقمي متكامل، حيث أصبحت التكنولوجيا جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية منذ الطفولة المبكرة. ومع مرور السنوات، سيصبح هذان الجيلان معًا القوة الرئيسية التي تشكل ملامح الثقافة والاستهلاك المعرفي في المجتمع المصري.

ومن البديهي ألا يقف النقاش حول مستقبل الثقافة في مصر عند التحول الرقمي، بل يتداخل أيضًا مع عوامل مؤسسية واقتصادية تؤثر في سوق الكتاب وصناعة النشر، ومن أبرزها غياب الإحصاءات السنوية المعلنة بشكل واضح عن حجم مبيعات الكتب في مصر، خصوصًا فيما يتعلق بإصدارات الهيئات الثقافية الحكومية، فحتى الآن لا توجد تقارير دورية مفصلة تكشف حجم المبيعات السنوية للكتب الصادرة عن مؤسسات رئيسية مثل الهيئة العامة للكتاب أو الهيئة العامة لقصور الثقافة، رغم أنهما من أكبر الجهات المنتجة للكتب في البلاد، كما لا تتوافر بيانات منتظمة عن مبيعات قطاعات أخرى مثل المركز القومي للترجمة أو صندوق التنمية الثقافية. وغالبًا ما تظهر الأرقام المتاحة في صورة تصريحات إعلامية متفرقة أو بيانات مرتبطة بمناسبات محددة.

إن غياب هذه البيانات ليس مجرد نقص إحصائي، بل هو يضعف القدرة على فهم الواقع الثقافي بدقة، فبدون أرقام واضحة يصبح من الصعب تقييم حجم سوق الكتاب في مصر أو معرفة اتجاهاته الحقيقية، سواء كان يشهد نموًا أو تراجعًا، كما يصعب في ظل غياب هذه الدراسات قياس تأثير السياسات الثقافية المختلفة أو تطوير استراتيجيات فعّالة لدعم القراءة وصناعة النشر.

التحول الرقمي ملاذ القراء في زمن غلاء الكتاب

إلى جانب ذلك، برز عامل اقتصادي مهم خلال السنوات الأخيرة يتمثل في الارتفاع الملحوظ لأسعار الكتب، فقبل سنوات قليلة كان سعر الكتاب الصادر عن المؤسسات الحكومية يتراوح غالبًا بين خمسة وعشرة جنيهات فقط، وهو ما كان يجعل اقتناء الكتب متاحًا لشرائح واسعة من القراء، خاصة الطلاب والشباب، أما اليوم فقد ارتفعت أسعار كثير من الإصدارات لتتراوح بين خمسين ومئة وخمسين جنيهًا، وهو ارتفاع يرتبط بزيادة تكاليف الطباعة والورق والطاقة والنقل.

هذه الزيادة في الأسعار قد تؤدي إلى ارتفاع ايرادات بيع الكتب ، لكنها لا تعني بالضرورة زيادة عدد القراء أو المشترين الفعليين بنفس المعدل، فقد يتراجع عدد النسخ المباعة بسبب انخفاض القدرة الشرائية لدى الجمهور، ورغم هذه التحديات، شهدت السنوات الأخيرة بعض المبادرات التي تسعى إلى مواكبة التحول الرقمي في مجال الثقافة، من بينها تطبيق “كتاب”، وهو المنصة الرقمية الرسمية التي أطلقتها وزارتا الثقافة والاتصالات ، ويضم أكثر من 2000 كتاب مجاني في مجالات متنوعة مثل الأدب والتاريخ والعلوم والثقافة، لمؤلفين مصريين وعرب.

تطبيق “كتاب” مبادرة وزارتا الثقافة والاتصالات لمواكبة التحول الرقمي

هذه المبادرة يمكن اعتبارها امتدادًا رقميًا لفكرة “القراءة للجميع” التي لعبت دورًا مهمًا في نشر الثقافة خلال عقود سابقة، ورغم أهمية هذه الخطوة، فإن التطبيق لم يحظَ حتى الآن بالانتشار أو التسويق الكافي الذي يسمح له بالوصول إلى قطاع واسع من القراء، حيث يشير كثير من المستخدمين إلى اكتشافهم وجوده بالصدفة وليس من خلال حملات تعريفية واسعة.

وذلك يفرض تساؤلًا مهما حول أهمية تطوير استراتيجيات إعلامية وثقافية أكثر فاعلية للتعريف بمثل هذه المبادرات الرقمية، خاصة في ظل اعتماد الأجيال الجديدة بشكل كبير على الهواتف الذكية والمنصات الإلكترونية.غير أن القضية الأعمق التي يطرحها هذا التحول تتعلق بمستقبل الوعي الثقافي لدى الأجيال الجديدة.

أزمة الحفاظ على الهوية الثقافية في ظل العولمة الرقمية

فالثقافة ليست مجرد نشاط ترفيهي أو استهلاك معرفي عابر، بل هي أحد أهم الأدوات التي تشكّل الوعي والهوية والانتماء الوطني. ومع انتقال جزء كبير من المحتوى الثقافي إلى المنصات الرقمية العالمية، يصبح من الضروري طرح سؤال مهم، كيف يمكن الحفاظ على حضور الثقافة الوطنية في بيئة رقمية مفتوحة تتدفق فيها الأفكار والمنتجات الثقافية من مختلف أنحاء العالم؟

من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إجراء دراسات وأبحاث جادة حول أنماط استهلاك الثقافة لدى الأجيال الجديدة في مصر، وكيف يتعامل الشباب مع المعرفة في عصر المنصات الرقمية، ففهم هذه التحولات لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة أساسية لصياغة سياسات ثقافية قادرة على مواكبة العصر.

كما أن المؤسسات الثقافية – الحكومية والمستقلة – مطالبة اليوم ببذل جهد حقيقي لمواكبة التطور التكنولوجي في مجال الثقافة، من خلال تطوير أدوات النشر الرقمي، ودعم إنتاج المحتوى الثقافي الموجه إلى الشباب عبر المنصات الجديدة، وتوظيف الوسائط الرقمية في تقديم المعرفة بشكل جذاب ومعاصر.

فإذا لم تسعَ المؤسسات الثقافية إلى مواكبة هذا التحول، فقد يتشكل الوعي الثقافي لدى الأجيال الجديدة في فضاءات رقمية بعيدة و غريبة وهو ما قد يؤدي تدريجيًا إلى تراجع حضور الهوية الثقافية المصرية في تشكيل وعي الشباب.

لذا فالتحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في الدفاع عن الكتاب الورقي في مواجهة المنصات الرقمية، بل في بناء منظومة ثقافية قادرة على التفاعل مع هذه التحولات والاستفادة من أدوات العصر دون أن تفقد الهوية حضورها وتأثيرها، وفي عالم تتحرك فيه المعرفة بسرعة الضوء عبر الشاشات، ربما يكون السؤال الأهم ليس كيف نحافظ على الكتاب فقط، بل كيف نضمن أن يظل الوعي الثقافي للأجيال القادمة متصلًا بجذوره الوطنية، حتى وهو يتشكل في عصر التكنولوجيا والمنصات الرقمية .