نهاد شعبان

نهاد شعبان
لم يكن الذوق الموسيقي يومًا ثابتًا، بل على مر السنين ظل مرآة تعكس تحولات المجتمع وتغيراته الثقافية والاقتصادية بل والتكنولوجية أيضًا، فمن زمن الطرب الأصيل الذي قادته أصوات خالدة مثل أم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، ومحمد عبد الوهاب، وغيرها من الأصوات الطربية الأصيلة، إلى موجة المهرجانات والراب التي يمثلها اليوم فنانون مثل عصام صاصا وويجز وليجا سي، مر الذوق العام برحلة طويلة مليئة بالتحولات العميقة.

ففي منتصف القرن العشرين، كان الغناء في مصر يعتمد على ما يمكن تسميته بـ”الطرب الأصيل”، حيث كانت الأغنية مشروعًا فنيًا متكاملًا، يبدأ بالكلمة الشعرية الراقية، مرورًا بالتلحين المعقد، وصولا إلى الأداء الذي يتسم بالقوة والإحساس العالي، وكانت حفلات أم كلثوم الشهرية حدثًا قوميًا، يجتمع حوله الملايين عبر الراديو، وتتحول الأغنية الواحدة إلى حالة وجدانية جماعية تستمر لساعات، وفي تلك الفترة، لم يكن المستمع يبحث فقط عن الترفيه، بل عن تجربة فنية عميقة تلامس الروح.

ومع دخول السبعينيات والثمانينيات، بدأ الذوق الموسيقي يشهد تحولا تدريجيًا، فظهرت موجة جديدة من المطربين مثل عمرو دياب ومحمد فؤاد، الذين قدموا موسيقى أخف، تمزج بين الطابع الشرقي والإيقاعات الغربية، وساهمت هذه المرحلة في تقليل مدة الأغنية، وجعلها أكثر سرعة وتناسبًا مع إيقاع الحياة المتغير، كما لعبت أشرطة الكاسيت دورًا كبيرًا في نشر هذا النوع من الموسيقى، حيث أصبح بإمكان الجمهور اختيار ما يسمعه بسهولة، بدلا من الاعتماد فقط على الإذاعة الرسمية.

أما في التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، دخلت الفضائيات الموسيقية بقوة، مثل قنوات الأغاني التي ساهمت في تغيير مفهوم “النجم”، ولم يعد الصوت وحده كافيًا، بل أصبحت الصورة عنصرًا أساسيًا في نجاح المطرب، انتشرت الفيديو كليبات، وبرز نجوم مثل تامر حسني وشيرين عبد الوهاب، الذين استطاعوا مخاطبة جيل جديد بلغة عاطفية بسيطة، وألحان سريعة، تتماشى مع تغيرات المجتمع.
لكن التحول الأكبر جاء مع ثورة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في العقد الأخير، حيث لم يعد الإنتاج الموسيقي حكرًا على شركات كبرى، بل أصبح بإمكان أي شاب تسجيل أغنيته في استوديو بسيط ونشرها عبر منصات مثل يوتيوب، لتصل إلى ملايين المستمعين في وقت قصير، وهنا ظهرت موسيقى المهرجانات كظاهرة شعبية تعبر عن الشارع، بلغته وهمومه اليومية، حيث اعتمدت هذه الموسيقى على الإيقاع السريع، والكلمات المباشرة، واستخدام التكنولوجيا في التوزيع الموسيقي.

وفي هذا السياق، برزت أسماء مثل عصام صاصا، الذي استطاع جذب جمهور واسع من الشباب، خاصة في المناطق الشعبية، حيث يجدون في أغانيه تعبيرًا صادقًا عن واقعهم، كما ظهرت موجة الراب والتراب، بقيادة فنانين مثل توليت وويجز، الذي قدم تجربة مختلفة تمزج بين الكلمات العميقة والإيقاعات الحديثة، ونجح في الوصول إلى جمهور أوسع، ليس فقط في مصر بل في العالم العربي.

وهذا التحول في الذوق لا يمكن فصله عن التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، حيث أن الأجيال الجديدة تعيش في عالم أسرع، وتتعرض لمؤثرات عالمية عبر الإنترنت، مما يجعلها تميل إلى الموسيقى القصيرة والسريعة، بدلا من الأغاني الطويلة التي كانت سائدة في الماضي، كما أن الظروف الاقتصادية دفعت الكثير من الشباب إلى البحث عن وسائل تعبير بسيطة وغير مكلفة، وهو ما توفره موسيقى المهرجانات والراب، ورغم الانتقادات التي توجه إلى هذه الأنماط الجديدة، بدعوى أنها تفتقر إلى العمق أو الجودة، إلا أنها تعكس واقعًا لا يمكن تجاهله، فالموسيقى في النهاية، هي صوت المجتمع، وما يفضله الناس اليوم يعبر عن احتياجاتهم وتطلعاتهم، وربما يكمن التحدي الحقيقي في إيجاد توازن بين الحفاظ على التراث الموسيقي الغني، والانفتاح على أشكال جديدة من التعبير.