هل تستغل إثيوبيا انشغال العالم بالحرب الإيرانية وتشعل نارًا جديدة في القرن الأفريقي؟

رندا خالد

تشهد منطقة القرن الأفريقي توترات سياسية وأمنية خلال السنوات الماضية، نتيجة تزايد  الاضطرابات الناجمة عن تداخل عوامل تاريخية وسياسية واقتصادية متعددة.

لذلك تعد منطقة القرن الأفريقي من أكثر المناطق في القارة الأفريقية حساسية من الناحية الجيوسياسية، لتميز موقعها الاستراتيجي المطل علي البحر الأحمر وخليج عدن، الذي يعتبر من أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية.

ومن أبرز تلك الصراعات التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي، أزمة أثيوبيا وإريتريا حيث مرت العلاقات بين البلدين بمراحل متباينة من العداء والصراع ثم التقارب المؤقت، قبل أن تعود التوترات مجدداً خلال السنوات الأخيرة، ويرتبط هذا الصراع بعوامل تاريخية وحدودية وسياسية معقدة، بالإضافة إلى تأثيرات الصراعات الداخلية في إثيوبيا، خاصة في إقليم تيغراي.

بداية جذور الأزمة

في عام 1993 نالت إريتريا استقلالها عن إثيوبيا بعد حرب استمرت نحو ثلاثة عقود، الناتج عبر استفتاء شعيس وتوافق دولي، إلا أن العلاقات بين البلدين لم تستقر طويلًا بسبب الخلافات الحدودية، تحديدًا منطقة بادمي، وقد أدى هذا النزاع إلى اندلاع حرب دامية بين البلدين بين عامي 1998 و2000، عُرفت باسم الحرب الإثيوبية الإريترية، نتيجة عن مقتل عشرات الآلاف من الجنود والمدنيين،  وانتهت الحرب بتوقيع اتفاق الجزائر، الذي نص على وقف إطلاق النار وترسيم الحدود، لكن الخلافات استمرت لسنوات.

وفي عام 2018، شهدت العلاقات تحولاً فارقًا عقب توقيع اتفاق بين آسياس أفورقي رئيس اريتريا والدكتور آبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي، لإنهاء الحرب بين الطرفان، وقد اعتُبر هذا الاتفاق خطوة تاريخية نحو تحقيق الاستقرار في المنطقة، كما حصل آبي أحمد لاحقاً على جائزة نوبل للسلام تقديراً لجهوده في إنهاء النزاع.

غير أن هذا التقارب لم يدم طويلاً، إذ اندلعت في عام 2020 حرب داخلية في إثيوبيا في إقليم تيغراي بين الحكومة الفيدرالية وقوات جبهة تحرير تيغراي، وخلال هذه الحرب شاركت القوات الإريترية إلى جانب الحكومة الإثيوبية، ما أدى إلى تعقيد الصراع وإثارة انتقادات دولية بسبب الانتهاكات الإنسانية التي رافقت العمليات العسكرية، ورغم توقيع اتفاق بريتوريا للسلام، فإن التوترات لم تختفِ تماماً، خاصة مع استمرار وجود قوات إريترية في بعض المناطق الحدودية.

تبادل الاتهامات

خلال الفترة الماضية، تبادلت قيادتا إثيوبيا وإريتريا تصريحات حادة عكست تصاعد التوتر بين البلدين، حيث حملت كلمات المسؤولين نبرة حادة أعادت إلى الأذهان سنوات الصراع القديمة بين الجانبين.

 فقد حذّر رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد من أي تهديد يمس أمن بلاده، مؤكداً أن أديس أبابا قادرة على حماية مصالحها الاستراتيجية، وفي المقابل، جاءت ردود الفعل من الجانب الإريتري حذرة لكنها عكست حالة من القلق والتوتر تجاه احتمالات التصعيد.

وقد أثارت هذه التصريحات جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، لما حملته من إشارات إلى قضايا أمنية واستراتيجية حساسة.

 ومع تصاعد حدة الخطاب بين الجانبين، تحدثت تقارير دولية عن تحركات عسكرية على طول الحدود المشتركة، الأمر الذي أعاد المخاوف من احتمال تجدد التوتر في منطقة القرن الإفريقي، المعروفة تاريخياً بحساسيتها السياسية وتشابك صراعاتها الإقليمية، خاصة في ظل التاريخ الطويل من النزاعات بين البلدين.

كما اتهمت إثيوبيا إريتريا بالتدخل في شؤونها الداخلية، لا سيما خلال الصراع في إقليم تيغراي، فضلاً عن اتهامها بالوجود العسكري والسيطرة على بعض المناطق داخل الأراضي الإثيوبية.

 بينما نفت إريتريا هذه الاتهامات ووصفتها بأنها غير صحيحة،  وقد ساهم هذا التصعيد في زيادة التوتر بين البلدين وإعادة الحديث عن احتمال اندلاع حرب جديدة.

كما لعب الوضع في إقليم تيغراي دوراً مهماً في تفاقم الأزمة، إذ شهد الإقليم خلال الفترة الأخيرة اشتباكات متفرقة بين القوات الحكومية في إثيوبيا وبعض الفصائل المسلحة، وهو ما أعاد أجواء التوتر إلى المنطقة رغم توقيع اتفاق السلام عام 2022.

وتخشى أطراف دولية أن يؤدي استمرار هذه الاشتباكات إلى اتساع نطاق الصراع، بما قد يفتح المجال أمام تدخل أطراف إقليمية أخرى ويهدد الاستقرار في المنطقة.

كما أسهمت طموحات إثيوبيا في الحصول على منفذ على البحر الأحمر، إلى جانب التصريحات المتكررة الصادرة عن رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإثيوبي، في إثارة مخاوف إريتريا من احتمالات تصاعد التوتر بين البلدين، خاصة في ما يتعلق بالموانئ الإريترية مثل ميناء عصب.

وفي ضوء هذه التطورات، تبدو العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا أمام مرحلة حساسة قد تعيد إلى الواجهة احتمالات التصعيد في منطقة القرن الإفريقي.

 وتأتي هذه التوترات في وقت يشهد فيه العالم انشغالاً بصراعات وأزمات دولية أخرى، أبرزها التوترات في منطقة الشرق الأوسط المرتبطة بالصراع بين إيران ودول الخليج العربي، إلى جانب استمرار الحرب بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية.

وفي ظل هذا المشهد الدولي المضطرب، يخشى مراقبون من أن يؤدي انشغال القوى الدولية بهذه الأزمات إلى تقليل الاهتمام بالتوترات المتصاعدة في القرن الإفريقي، وهو ما قد يفتح المجال أمام تفاقم الخلافات الإقليمية واندلاع صراع جديد في المنطقة لذلك، يبقى مستقبل الاستقرار بين إثيوبيا وإريتريا مرهوناً بقدرة الأطراف المعنية على احتواء الخلافات عبر المسار الدبلوماسي، قبل أن تتحول التوترات الحالية إلى مواجهة مفتوحة قد تضيف بؤرة صراع جديدة إلى خريطة الأزمات العالمية.