
في مشهد يعيد إلى الأذهان واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ، يتكرر النمط ذاته من الاعتداءات، وكأن الزمن لم يتغير. ففي الثامن من أبريل، الذي ارتبط في الذاكرة المصرية بذكرى مجزرة بحر البقر، تعود صور الضحايا من جديد، لكن هذه المرة من لبنان، حيث سقط مدنيون أبرياء جراء اعتداءات الكيان الإسرائيلي المُحتل تعيد طرح تساؤلات حول تكرار النهج ذاته عبر العقود.
لم يكن اختيار التوقيت مجرد صدفة عابرة، بل يعكس امتدادًا لنمط تاريخي طالما ارتبط باستهداف المدنيين، خاصة في أوقات التوتر والصراع، فكما تحولت مدرسة صغيرة في قرية مصرية إلى ساحة دماء عام 1970، تتكرر اليوم المشاهد ذاتها في لبنان، لتؤكد أن الذاكرة لا تنسى، وأن التاريخ حين لا يُحاسب يعيد نفسه بالألم ذاته والضحايا أنفسهم، وإن اختلفت الجغرافيا.
بحر البقر جريمة هزّت العالم

في صباح يوم 8 أبريل عام 1970، توجه عشرات الأطفال إلى مدرستهم الابتدائية، يحملون كتبهم وكراريسهم، غير مدركين أن هذا اليوم سيكون الأخير في حياتهم. خلال دقائق معدودة، شنت طائرات إسرائيلية من طراز فانتوم غارة جوية على المدرسة، مستخدمة قنابل وصواريخ حولت المبنى إلى أنقاض.
أسفر الهجوم عن استشهاد نحو 30 طفلًا، وإصابة أكثر من 50 آخرين، في مشهد مأساوي اختلطت فيه دماء الأطفال بصفحات دفاترهم، لتتحول الكراريس إلى شهادة دامغة على بشاعة الجريمة.
جاء ذلك في خضم أحداث حرب الاستنزاف، كانت مصر تسعى لإعادة بناء قواتها المسلحة بعد نكسة 1967.
صدمة دولية وغضب شعبي
أثارت المجزرة موجة غضب واسعة داخل مصر وخارجها، حيث وُصفت في بعض الصحف العالمية بأنها “جريمة مروعة”، بينما حاولت أطراف أخرى تبريرها باعتبارها “خطأ غير مقصود”، مع ذلك، فإن الصور التي خرجت من موقع الحادث كانت كفيلة بفضح الحقيقة، وأجبرت الرأي العام الدولي على التفاعل مع الحادث.
ساهمت المجزرة في زيادة الضغط على الولايات المتحدة، التي اضطرت إلى تأجيل بعض صفقات السلاح مع إسرائيل، في ظل تصاعد الانتقادات الدولية.

من بحر البقر إلى لبنان
بعد أكثر من خمسة عقود، تظل مجزرة بحر البقر واحدة من أبشع الجرائم التي استهدفت المدنيين، خاصة الأطفال، في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وهي تذكير دائم بأن الحروب لا تقتصر على ساحات القتال، بل تمتد آثارها إلى الأبرياء الذين يدفعون الثمن الأكبر.
وتستمر هجمات الكيان الإسرائيلي المُحتل على الدول العربية المجاورة بالنمط ذاته، وإن اختلفت الاستراتيجيات، مع لافتة تتكرر في اختيار تواريخ تحمل دلالات تاريخية مؤلمة يصعب نسيانها، في اعتداءات تمس سيادة الدول وتعيد إلى الذاكرة مشاهد من الماضي. وهو ما حدث في لبنان اليوم، حيث أسفر الاعتداء عن سقوط عدد من الضحايا بين قتلى ومصابين، في مشهد يعكس امتدادًا لنهج لم يتغير، وإن تبدلت ساحاته.
اقراء أيضًا: “Flintlock” التدريب العسكري الأمريكي في ليبيا: مناورات روتينية أم غطاء لإعادة رسم نفوذ واشنطن في أفريقيا؟
اقراء أيضًا: من الشهر العقاري إلى المرور: رحلة التوكيل المزور في يد العصابات