أحزاب على ورق.. هل يحلها قانون الأحزاب؟

ـ حضور قانوني وغياب فعلي عن المشهد السياسي

ـ بين التنظيم والتسييس.. مخاوف من التطبيق الانتقائي للقانون

ـ هل يصبح حل الأحزاب أداة لتصفية الخصوم السياسيين؟



في الساحة السياسية المصرية ثمة ظاهرة بارزة تُطرح بقوة في الأوساط السياسية والمدنية، عدد كبير من الأحزاب التي رغم تسجيلها قانونيًا، تفتقر إلى النشاط الفعلي، وتعيش في “ظل قانوني”، هذه الأحزاب التي تبدو موجودة باسم فقط، تشكل ما يسميه البعض “أحزابًا ورقية” لها ترخيص، لكنها لا تظهر بفعالية على الأرض، ولا تشكل قوة تنظيمية حقيقية أو تملك كوادر قوية أو نشاطًا انتخابيًا أو مجتمعيًا مؤثرًا.

يضع هذا الواقع تساؤلات مهمة حول فائدة وجود هذه الأحزاب الكثيرة، هل هي مشاركة سياسية حقيقية، أم مجرد زخرفة قانونية لخريطة التعددية؟ وفي ظل هذا الواقع، يأتي دور قانون الأحزاب رقم 40 لسنة 1977، الذي ينظم ليس فقط تأسيس الأحزاب، بل أيضًا آليات حلها، ما يثير نقاشًا جدّيًا حول إمكانية استخدام هذا القانون كأداة للقضاء على التعددية الفعالة أو نظريًا كأداة لتنقية المشهد الحزبي.

قانون الأحزاب
قانون الأحزاب ينص قانون الأحزاب (رقم 40 لسنة 1977)، كما عدّلت بعض مواده لاحقًا، على آليات قانونية لحل الأحزاب، لكنها ليست مجمّدة أو بسيطة كما قد يعتقد البعض، ووفقًا للقانون، توجد لجنة شؤون الأحزاب السياسية (PPC)، تتولى مسؤولية رصد مدى التزام الأحزاب بالشروط القانونية، وتقديم توصية بحل الحزب إذا رأت مخالفات جدّية.
تُشكل هذه اللجنة وفقًا للقانون من شخصيات قضائية وأعضاء رسميين، بما في ذلك وزير الداخلية ووزير العدل، مما يمنحها نفوذًا رسميًا كبيرًا في التحكّم بوجود الأحزاب، عند التوصية بحل حزب، يمكن للجنة أن تتقدّم بطلب إلى محكمة مختصة وليس قرار إداري فقط، ليُصدر حكم قضائي نهائي بحل الحزب وتصفية أموره، من جهة الضمانات، جاء أن طلب الحل لا يمكن أن يُقدم إلا بعد تقرير من النائب العام بأن الحزب يخالف شروطه القانونية أو يشارك في أنشطة ضارة بالدولة، مما يُفترض أن يضغط نحو تدخّل قانوني محايد.

مخاطر التطبيق الانتقائي
من جانبه، قال تيسير مطر، رئيس حزب إرادة جيل، ورئيس تحالف الأحزاب المصرية الذي يضم 42 حزبًا، إن التركيبة القانونية للجنة شؤون الأحزاب التي تضم وزراء وشخصيات رسمية، تثير مخاطر التطبيق الانتقائي، ما إذا كانت التوصيات بحل بعض الأحزاب تأتي لأسباب تنظيمية محضة، أو كأداة لتصفية أحزاب لا تروق لجهات السلطة.

وأضاف “مطر”، أن هذه الصلاحيات تمنح اللجنة سلطة واسعة جدًا في “إلغاء الأحزاب” عبر توصيات قد لا ترتكز على نشاط حقيقي فقط، بل على مواقف سياسية، مؤكدًا أن تجميد نشاط الأحزاب (وقبل الحل القضائي) يُستخدم في بعض الحالات لتجميد المعارضة أو إنشاء ضغوط داخلية، بدلاً من معالجة الخلافات التنظيمية بالحوار الداخلي.

وتابع:” رغم أن القانون يعطي للجنة حق التوصية، إلا أن المسارات العملية ونتائج التحقيقات لا تتوافر دومًا للجمهور؛ ما يعني غياب الشفافية في قرارات الحل والتصفية، ولا توجد دائمًا آليات قوية للمراجعة الشعبية أو الرقابية من المجتمع المدني على قرارات حل الأحزاب، كما أن دور القضاء مهم، لكن هناك من ينتقد أن المحكمة الخاصة بالأحزاب قد لا تكون مستقلة تمامًا أو محصنة من الضغوط السياسية، خاصة في القضايا الحساسة”.

 وأردف:” إذا ما تم تطبيق صلاحية الحل بشكل موسّع أو سياسي، فإن ذلك قد يخلق بيئة حزبية غير مستقرة، حيث تخشى الأحزاب الجديدة أو الصغيرة من التأسيس أو الاحتفاظ بنشاطها، خشية أن تكون عرضة للحل، هذا يضعف التنوع السياسي ويقلّص التعددية الحقيقية إلى عدد محدود من الأحزاب القادرة على الصمود”، لافتًا إلى أن بعض الأصوات الداعية للإصلاح الحزبي ترى أن “التصفية القانونية” يجب أن تكون آلية استثنائية وليست أداة يومية لضبط الحياة الحزبية؛ لأن الاستخدام المفرط قد يجعل التعددية مجرد شعار وليس ممارسة.

إعادة صياغة قانونية

وأكد علاء عبد النبي، نائب رئيس حزب الإصلاح والتنمية، على وجوب إعادة صياغة قانونية لتقوية الرقابة القضائية وضمان أن قرارات الحل تأخذ عبر مسارات قضائية واضحة وليس مجرد توصية إدارية، مضيفًا أن نشر تقرير اللجنة وتقارير التحقيقات التي تؤدي إلى التوصية بالحل، مع إتاحة الحق للأعضاء والجمهور في الاطلاع والمساءلة.

وأشار إلى أنه توجد بدائل عن الحل مثل فرض إصلاح داخلي للحزب، اعتماد برامج تقييم أداء سنوي، أو إشراف مؤسسي قبل التوجه نحو حل كامل، وأيضًا توفير آليات تمويل ودعم فني لحزب صغير لكنه نشط، لكي يُصبح جزءًا فاعلاً في الحياة السياسية بدلاً من أن يكون موقفه مهددًا دائمًا.قانون الأحزاب المصري (رقم 40 لسنة 1977) يمنح لجنة شؤون الأحزاب صلاحية قوية لحل الأحزاب، وهو ما يمثل أداة قانونية مهمة لضبط الحياة الحزبية، لكن في الوقت نفسه، وجود كثير من الأحزاب غير الفعالة على الساحة يطرح تساؤلات حول فاعلية التعددية الحزبية الحقيقية.

إذا لم يُعاد النظر في آليات الحل بشفافية وضمانات، فقد يتحول الحل القانوني إلى أداة لتصفية الخصوم وليس فقط لحماية القانون والنظام، الإصلاح الآن ليس رفاهية، بل ضرورة لتعزيز التعددية الحقيقية وضمان أن الأحزاب ليست مجرد أسماء، بل مؤسسات سياسية لها دور حقيقي في المجتمع.