أين “قانون الإدارة المحلية” ولماذا تأخّر صدوره؟

مع صدور دستور 2014 دخل ملف “الإدارة المحلية” بوصفه استحقاقًا دستوريًا وطنيًا على جدول الأولويات التشريعية، لكن المشروع الذي كان منتظرًا لتطبيق مقتضيات الدستور لم يرَ النور حتى بعد مرور سنوات، ما أثار تساؤلات حول أسباب التأخير والنتائج العملية لذلك على واقع الحكم المحلي في مصر.

ينص دستور 2014 على سلسلة مواد ترسّخ مبدأ اللامركزية ودور وحدات الإدارة المحلية في تقديم الخدمات وتوزيع الموارد المالية والإدارية، فالمواد 176 و177 و178 تكرّس مبدأ دعم اللامركزية الإدارية والمالية والاقتصادية وتنص على أن “ينظم القانون وسائل تمكين الوحدات الإدارية من توفير المرافق المحلية” وتحديد “البرنامج الزمني لنقل السلطات والموازنات إلى وحدات الإدارة المحلية”، أما نصّ التحوّل الزمني فقد ورد في المادة 242 “الانتقالية” من الدستور التي نصّت صراحةً على أن “يستمر العمل بنظام الإدارة المحلية القائم إلى أن يتم تطبيق النظام المنصوص عليه في الدستور بالتدرج خلال خمس سنوات من تاريخ نفاذه” أي خلال خمس سنوات من نفاذ دستور 2014، أي حتى عام 2019 كحد أقصى لإقرار آليات التنفيذ التشريعية والتنظيمية.

الخريطة الزمنية لمشروع القانون بالبرلمان

في عام  2014 مع إقرار أحكام دستور “2014” تم وضع بند فترة انتقالية لخمس سنوات كموعد يستغرقه تنفيذ النظام الجديد، وخلال 2016–2017 بدأت مناقشات برلمانية فعلية لمشروع قانون الإدارة المحلية، وعملت لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب على مشروع مُتكامل اشتمل على تنظيم الانتخابات المحلية وتوزيع السلطات والموازنات، أعلنت اللجنة أنها أنهت المشروع تقريبًا في أواخر 2016 وأوائل 2017 وأُعلن نص مشروع القانون في أبريل 2017، وخلال 2017–2019 رغم انتهاء اللجنة من إعداد المشروع، خرجت خلافات سياسية وفنية كثيرة حول بنود أساسية، خاصة آليات الانتخابات المحلية “نظام القوائم المغلقة أم النظام الفردي أم المزيج” وقواعد التقسيم الإداري ونسب تمثيل المرأة والشباب والعمال والفلاحين، هذه الخلافات أدت إلى تعطيل إحالة المشروع إلى الجلسة العامة لإقراره قبل انتهاء المهلة الدستورية.

ثم انتهت المهلة الدستورية في عام 2019 دون أن يتم تطبيق النظام الجديد كما نص الدستور، ومنذ ذلك الحين تكررت الدعوات البرلمانية والرئاسية لإصدار القانون، وعاود البرلمان طرح المشروع في دورات لاحقة مع استمرار الخلافات التقنية والسياسية حول آليات التنفيذ والتمويل والجهات المنفذة، وحتى 2023–2024 كانت هناك دعوات متكررة لإقرار القانون لكن التنفيذ الفعلي ظل متأخرًا.

لماذا لم يُصدر القانون؟

أسباب التأخيرتكمن في أنه خلاف سياسي على آليات الانتخاب المحلي، حيث أوضح عمرو هاشم ربيع، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات، أن الخلاف حول النظام الانتخابي للمحليات -قوائم مغلقة أم مفرد أم مزيج- كان حجر عثرة رئيسيًّا لأن تغيير آلية اختيار الأعضاء يرتبط بشكل مباشر بتوازنات القوى المحلية وحضور الأحزاب، وهذا الخلاف ظهر بوضوح في مناقشات لجنة الإدارة المحلية، وأدى إلى شد وجذب حول مواد أساسية، وأضاف في تصريحات لـ”ليبرالي”، أن تطبيق اللامركزية يتطلب تحويل موازنات وصلاحيات، وهذا يرتبط بمسائل مالية وإدارية مركبة تتطلب اتفاقًا حكوميًا واضحًا وآليات رقابة وتدفقات مالية جديدة، ولدى الحكومة تحفظات عملية على مدى سرعة نقل هذه الصلاحيات، مؤكدًا أن الحكومة تخاف من أن تفقد صلاحياتها.

وأشار “ربيع” إلى أن مشروع القانون تضمن موادًا عن إعادة رسم وحدات إقليمية أو تحديد أقاليم تنمية وهو ما أثار اعتراضات محلية وسياسية حول الحدود واختصاصات المحافظين والمجالس الإقليمية، متابعًا أن:” تباين مواقف الأحزاب والهيئات المهنية والنقابات مثل مطالبات بتمثيل للعمال والفلاحين، وكذلك القلق من انفلات السلطة محليًا جعل التوافق السياسي صعبًا، فضلاً عن إعداد قوانين تطبيقية تتطلب بروتوكولات نقل صلاحيات وموازنات وبرامج تدريب للكوادر المحلية وهذا عبء تقني ومالي استغرق وقتًا لعمره الحكومة واللجان”.

 ليس مجرد نص تشريعي

وأردف نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات:” قانون الإدارة المحلية ليس مجرد نص تشريعي بل هو آلية لتمكين المجتمعات المحلية وتحسين الخدمات وتوزيع الموارد، الدستور لم يترك الأمر للاختيار بل وضع خطوطًا زمنية ونُصوصًا واضحة تدعم اللامركزية، ومع ذلك فإن الخلافات السياسية والفنية والمالية عطّلت التنفيذ، بينما دفع غياب المجالس المحلية ثمنًا باهظًا من ناحية التمثيل المحلي والرقابة على الخدمات”، مؤكدًا أنه لابد من إعادة إحياء الحوار الوطني حول صيغة الانتخابات المحلية (قوائم/فردي/مزيج) بخيارات تطبيق مرحلي واضحة، وإعداد خريطة مالية واضحة لنقل الموازنات مع ضمان آليات محاسبة شفافة، والتزام البرلمان والجهات التنفيذية بالمهل الدستورية وأولوية إصدار القانون لتفعيل نصوص الدستور الخاصة باللامركزية.

مصر عاشَت فترات من غياب وتمييع دور المجالس المحلية، آخر انتخابات محلية كانت في أبريل 2008، وبعد ثورة يناير 2011 أصدر القضاء الإداري أحكامًا قضت بحلّ بعض المجالس “حكم حل المجالس في يونيو 2011″، مما أدى فعليًا إلى غياب مجالس محلية منتخبة لسنوات طويلة واعتماد المنتخبين المحليين على آليات إدارية ومجالس مؤقتة، وظلت المحافظات بلا مجالس شعبية منتخبة منذ 2011 وحتى سنوات لاحقة، ما شكّل فراغًا في التمثيل المحلي حتى الآن.