
مع اقتراب شهر رمضان على الانتهاء، يبدو واضحًا غياب الزخم الذي اعتادت عليه الأحزاب السياسية سنويًا في تنظيم موائد الإفطار والسحور، فالمقاهي والمطاعم الفاخرة أو حتى قاعات الفعاليات التي كانت تشهد عادة تجمعات كبيرة لقيادات الأحزاب وأعضائها، هذا العام خلت من هذه الحركة، وسط هدوء لافت في النشاط الرمضاني الحزبي مقارنة بالسنوات السابقة، الغياب الملحوظ يطرح تساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء هذا الانكماش، وهل تعود إلى أجواء الاحتفال المعتادة، أم أن الأحداث الإقليمية كان لها تأثير مباشر على طبيعة النشاط السياسي في رمضان 2026؟.
خلال السنوات الماضية كانت موائد الإفطار والسحور التي تنظمها الأحزاب جزءًا من تقاليد الحياة السياسية خلال شهر رمضان، فهذه الفعاليات لا تقتصر على كونها تجمعات اجتماعية، بل تحمل أيضًا طابعًا سياسيًا، حيث يستغلها قادة الأحزاب في توطيد العلاقات مع شخصيات عامة أو فتح قنوات تواصل مع أطراف مختلفة في المشهد العام، كما تمثل هذه اللقاءات فرصة لعرض مواقف الأحزاب من القضايا المطروحة على الساحة، وتبادل الآراء حول الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، في أجواء أقل رسمية من الاجتماعات أو المؤتمرات السياسية التقليدية.
ورغم أهمية هذه الفعاليات، فإن عددها كان أقل هذا العام مقارنة بمواسم رمضانية سابقة، فبعض الأحزاب اكتفت بفعاليات محدودة داخل مقراتها، بينما فضلت أحزاب أخرى التركيز على أنشطة اجتماعية أو خيرية بدلًا من تنظيم موائد إفطار وسحور موسعة، وهذا التراجع لا يعني اختفاء النشاط السياسي للأحزاب خلال رمضان، لكنه يعكس تحولًا في طبيعة الأنشطة، حيث اتجهت بعض الأحزاب إلى تنظيم مبادرات مجتمعية مثل توزيع المساعدات الغذائية أو المشاركة في الأنشطة التطوعية، وهو ما يتناسب مع روح الشهر الكريم.
أحد الأسباب التي تفسر تراجع موائد الإفطار والسحور الحزبية هذا العام هو الأوضاع الإقليمية المتوترة، خصوصًا في ظل استمرار أزمات وصراعات في المنطقة، فهذه الأجواء جعلت كثيرًا من القوى السياسية تميل إلى تقليل المظاهر الاحتفالية، وفي ظل حالة التعاطف الشعبي مع الأوضاع الإنسانية في بعض مناطق الصراع، فضلت بعض الأحزاب توجيه جهودها نحو العمل الخيري أو التضامني بدلًا من تنظيم فعاليات كبيرة قد يُنظر إليها باعتبارها غير متناسبة مع طبيعة المرحلة.
إلى جانب العامل السياسي، تلعب الاعتبارات الاقتصادية دورًا في تقليل عدد موائد الإفطار والسحور الحزبية، فتنظيم مثل هذه الفعاليات يتطلب ميزانيات ليست بسيطة، خاصة إذا كانت موجهة لعدد كبير من الضيوف أو تقام في أماكن كبيرة، وفي ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها العديد من المؤسسات، بما فيها الأحزاب السياسية، قد يكون من الطبيعي أن تتجه بعض الأحزاب إلى تقليص النفقات المرتبطة بالفعاليات الرمضانية، والتركيز بدلًا من ذلك على أنشطة أقل تكلفة وأكثر ارتباطًا بالخدمة المجتمعية، ومن المرجح أن تعود هذه الأنشطة إلى مستوياتها المعتادة في السنوات المقبلة، خاصة إذا تغيرت الظروف الإقليمية والاقتصادية التي قد تكون أثرت في طبيعة الفعاليات هذا العام.