الأديب أحمدأبوخنيجر :الأزمة الثقافية في مصر تبدأ من التعليم واختلاف أنماط الوعي خلق فجوة داخل المجتمع

حوار :- إبراهيم العجمي

يُعد الروائي المصري أحمد أبو خنيجر أحد أبرز المبدعين الذين عبروا عن البيئة الجنوبية المصرية، حيث قدّم عبر أعماله الأدبية عوالم القرية والصحراء وضفاف النيل بخصوصية إنسانية ولغوية مميزة ومن أبرز أعماله: حديث خاص عن الجدة، غوايش الشر الجميل، مشاهد عابرة لرجل وحيد، متاهة الذئب، نجع السلعوة، العمة أخت الرجال، خور الجمال، تلك النظرة، تلك الأعمال أهلته لحصد العديد من الجوائز الأدبية المهمة، مثل جائزة الدولة التشجيعية،جائزة الدولة للتفوق وجائزة ساويرس ثلاث مرات، الأولى عن رواية العمة أخت الرجال، والثانية عن رواية مشاهد عابرة لرجل وحيد والثالثة عن مسرحية فوانيس الليل .

وفي ضيافة “ليبرالي” يفتح أبو خنيجر قلبه للحديث عن المشهد الثقافي المصري والعربي، ودور المثقف في زمن التحولات، وتأثير نشأته في أسوان على تجربته الأدبية من خلال الحوال التالي:

كيف ترى المشهد الثقافي المصري والعربي اليوم؟ وما أبرز التحديات التي تواجهه؟

المشهد الثقافي يتفاعل دائمًا مع الواقع الاجتماعي والسياسي، هذه الأزمات موجودة طوال الوقت، والكاتب يتفاعل معها سواء بالسلب أو بالإيجاب ،لكن التحدي الحقيقي بالنسبة للكاتب هو قدرته على قراءة الواقع وتحليله، واستخلاص النتائج التي يمكن أن تتحول إلى رؤية أدبية، لا يتفاعل كل الناس مع الواقع بنفس الدرجة أو بنفس الطريقة، لكن الكاتب الحقيقي هو من يستطيع قراءة هذا الواقع بعمق ويصوغ رؤيته الخاصة.

تتحدث أحيانًا عن وجود أزمة ثقافية في مصر.. كيف ترى جذور هذه الأزمة؟

الأزمة الثقافية في مصر ترتبط في الأساس بتعدد مستويات الوعي داخل ال٢مجتمع، والسبب الرئيسي في ذلك هو غياب التعليم الحقيقي بالمعنى العميق، فمشكلة مصر ليست فقط في التعليم، بل في تعدد أنماط التعليم التي أنتجت أنماطًا مختلفة من الوعي داخل المجتمع المصري، المفترض أن تكون هناك مرحلة تعليم أساسي موحد تشرف عليها وزارة التربية والتعليم، وتعمل فيها عقول مصرية حرة على صياغة رؤية واضحة لتاريخ مصر وجغرافيتها وفلسفتها وهويتها، في هذه المرحلة – من الابتدائي إلى الإعدادي على الأقل – يجب أن يتلقى الجميع تعليمًا موحدًا يخلق قاعدة وعي مشتركة لدى الأجيال الجديدة، لأن غياب هذه القاعدة يجعلنا أمام وضع يصبح فيه لكل قضية مئات الآراء المتناقضة دون أرضية مشتركة للنقاش، والنتيجة أننا لا نجد حوارًا حقيقيًا بين الناس، بل يتحول النقاش في كثير من الأحيان إلى صدام أو خلاف حاد.

لو تأملت أي قضية عامة تُطرح في المجتمع – حتى قبل فكرة “الترند” المنتشرة اليوم – ستجد حجم الاختلافات الحادة حولها، وهذا دليل على وجود خلل في البنية الأساسية للوعي، لذلك نحن في حاجة إلى أن نسأل أنفسنا أولًا:من نحن؟ وما هي مصر؟هذه الأسئلة يجب أن تُطرح بوضوح في التعليم.يجب أن يعرف النشء تاريخ بلدهم وهويتها ومعنى موقعها الحضاري.

وعندما نقول إن مصر “أم الدنيا”، يجب أن يكون لذلك معنى معرفي وثقافي واضح، لا أن يتحول الأمر إلى مجرد عبارة ساخرة أو مادة للنكات.

ما دور المثقف في زمن الأزمات والتحولات الاجتماعية الكبرى؟

المثقف جزء من المجتمع، وبالتالي هو جزء من هذه التحولات،ودوره الأساسي هو رصد هذه التغيرات وفهمها وصياغتها أدبيًا، بعض التحولات تحدث بسرعة، وبعضها قد يستغرق سنوات طويلة، لكن الكاتب يجب أن يكون لديه هذا الهم: أن يقرأ الواقع جيدًا ويحاول فهمه. كيف تقيم حركة النقد في مصر والعالم العربي؟في رأيي لا توجد لدينا حركة نقدية حقيقية بالمعنى الكامل، الحركة النقدية ضعيفة جدًا،الجامعة بعيدة تمامًا عن المشهد الأدبي، وغالبية النقاد في كليات الآداب ينتجون مدرسين أكثر مما ينتجون نقادًا، وكثير منهم مشغول بكتابة المذكرات الدراسية للطلاب وليس لهم ارتباط حقيقي بالحركة الأدبية وهذا في حد ذاته مشكلة كبيرة.

نشأتك في أسوان انعكست في كثير من أعمالك.. كيف أثرت البيئة في كتاباتك؟

بالتأكيد نشأتي كان لها تأثير كبير في كتاباتي، وهناك نوع من الالتزام الأخلاقي تجاه الجماعة التي نشأت بينها وتعلمت منها، هذا جعل فكرة الأدب بالنسبة لي مرتبطة بالكتابة عنهم ،وكان لدي سؤال مبكر:لماذا تدور أغلب الروايات حول القاهرة أو الإسكندرية؟ ألا يستحق الناس البسطاء في القرى أن يُكتب عنهم؟

من الرواد الذين أثروا في تجربتك؟

أحب روادنا جميعًا وقرأت لهم، لكن لا أستطيع تحديد كاتب واحد أثر فيّ بشكل مباشر، فقد بدأت القراءة مبكرًا جدًا عندما اشترك لي والدي في مكتبة وأنا في الصف الثاني الإعدادي، وكنت أقطع نحو عشرة كيلومترات من القرية إلى المكتبة، في ذلك الوقت لم تكن لدي علاقة بالكتابة، كنت أقرأ فقط من أجل المتعة، لكن الاكتشاف الحقيقي جاء لاحقًا مع جيل الستينيات، الذي نقل الكتابة إلى منطقة مختلفة وفتح الباب أمام التعبير عن البيئات المتنوعة في مصر.

هل الكتابة عمل فكري صرف أم أن فيها جانبًا روحانيًا؟

أنا لا أؤمن بفكرة الوحي في الكتابة، لكن هناك ما يمكن تسميته بالطاقة الإبداعية، أحيانًا تظهر أثناء الكتابة أفكار وجمل لم تكن في ذهنك من البداية، الكتابة تشبه التمثال الكامن داخل الحجر، ومهمة الكاتب مثل النحات الذي يزيل الزائد حتى يظهر الشكل الكامن.لكن في النهاية الكتابة أيضًا عمل منظم وجهد كبير ومراجعة وانضباط. – هل لديك طقوس خاصة أثناء الكتابة؟أفضل الكتابة في الأماكن المفتوحة مثل الحدائق أو المقاهي.الكتابة الأولى تكون غالبًا في مكان مفتوح، ثم تأتي المرحلة الأصعب وهي المراجعة والتنقيح، حيث أجري تعديلات كثيرة حتى أصل إلى النسخة التي أشعر بالرضا عنها.