
نهاد شعبان
شهدت أسعار الوقود في مصر تغيرات كبيرة خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، في إطار مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية التي استهدفت تقليل دعم الطاقة وإعادة هيكلة منظومة التسعير، وبين عامي 2010 و2025 تقريبًا، ارتفعت أسعار البنزين عدة مرات، ما انعكس بشكل مباشر على تكلفة النقل والسلع والخدمات في السوق.
في بداية العقد الماضي، كانت أسعار البنزين في مصر منخفضة نسبيًا مقارنة بالأسعار العالمية، نتيجة الدعم الحكومي الكبير لقطاع الطاقة، ففي عام 2010 كان سعر لتر البنزين 80 أقل من جنيهين تقريبًا، بينما كان البنزين 92 لا يتجاوز بضعة جنيهات للتر، وكانت الحكومة تتحمل جزءًا كبيرًا من تكلفة الوقود بهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين ودعم القطاعات الإنتاجية، لكن مع مرور الوقت بدأت الحكومة في اتخاذ خطوات لإعادة هيكلة دعم الوقود، خاصة مع تزايد الضغط على الموازنة العامة، حيث كانت فاتورة دعم الطاقة تستهلك جزءًا كبيرًا من الإنفاق الحكومي، وهو ما دفع الدولة إلى تطبيق برنامج تدريجي لخفض الدعم.

وجاء التحول الأكبر بعد عام 2014، عندما بدأت سلسلة من الزيادات الملحوظة في أسعار البنزين ضمن خطة الإصلاح الاقتصادي، وقد ارتبطت هذه الإجراءات ببرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي نفذته الحكومة بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، والذي تضمن إجراءات مالية واقتصادية واسعة من بينها إعادة تسعير الطاقة.
وفي عام 2016 شهد الاقتصاد خطوة مهمة مع قرار تحرير سعر صرف الجنيه، وهو القرار المعروف باسم تعويم الجنيه المصري، وأدى هذا القرار إلى ارتفاع تكلفة استيراد المواد البترولية، الأمر الذي انعكس على أسعار الوقود في السوق المحلية، وبعد التعويم، تسارعت وتيرة زيادات البنزين في السنوات التالية.

وخلال الفترة من 2017 إلى 2019، ارتفعت أسعار البنزين عدة مرات متتالية، فقد انتقلت الأسعار من مستويات منخفضة نسبيًا إلى أرقام أعلى بشكل ملحوظ، في إطار خطة الحكومة لربط الأسعار المحلية بالتكلفة الحقيقية للإنتاج والاستيراد، وفي تلك المرحلة بدأت الدولة أيضًا تطبيق آلية جديدة لمراجعة الأسعار بشكل دوري.
وفي عام 2019 تم تطبيق ما يعرف بآلية التسعير التلقائي للمنتجات البترولية، وهي الآلية التي تسمح بتعديل الأسعار كل ثلاثة أشهر وفقًا لمتغيرات السوق العالمية مثل سعر النفط وسعر صرف الجنيه، وتهدف هذه الآلية إلى تحقيق قدر أكبر من التوازن بين الأسعار المحلية والتغيرات في الأسواق الدولية.

وقد ارتبطت تحركات أسعار البنزين في مصر بشكل وثيق بأسعار النفط العالمية، خاصة سعر خام خام برنت الذي يعد مؤشرًا رئيسيًا في سوق الطاقة العالمية، فعندما ترتفع أسعار النفط عالميًا، تزيد تكلفة استيراد المنتجات البترولية، وهو ما قد يؤدي إلى رفع الأسعار محليًا، كما لعبت التغيرات الاقتصادية العالمية دورًا في التأثير على أسعار الوقود، فعلى سبيل المثال، شهدت الأسواق العالمية تقلبات حادة خلال السنوات الأخيرة بسبب الأزمات الاقتصادية وسلاسل الإمداد، ما انعكس على أسعار الطاقة في العديد من الدول ومن بينها مصر.

ولا تقتصر تأثيرات زيادة أسعار البنزين على قطاع النقل فقط، بل تمتد إلى قطاعات عديدة في الاقتصاد، فارتفاع تكلفة الوقود يؤدي غالبًا إلى زيادة تكلفة نقل البضائع والسلع، وهو ما قد ينعكس في النهاية على أسعار المنتجات في الأسواق، ولهذا السبب يُعد الوقود أحد العوامل المؤثرة في معدلات التضخم، وفي المقابل ترى الحكومة أن إصلاح منظومة دعم الوقود كان خطوة ضرورية لتحقيق الاستقرار المالي وتقليل العجز في الموازنة، مشيرة إلى أنه تم اتخاذ إجراءات موازية لتخفيف آثار هذه الزيادات من بينها التوسع في برامج الحماية الاجتماعية ودعم الفئات الأكثر احتياجًا، وخلال السنوات الأخيرة، أصبح ملف الطاقة في مصر جزءًا من رؤية أوسع لإعادة تنظيم قطاع الطاقة وتحسين كفاءته، وتشمل هذه الجهود التوسع في استخدام الغاز الطبيعي كوقود للسيارات، إلى جانب زيادة الاستثمار في الطاقة الجديدة والمتجددة.