
نهاد شعبان
شهدت صناعة الكعك تطورا كبيرا عبر السنين، فبعد أن كان يعد في البيوت وينقش يدويا ويخبز في الصاج، أصبح اليوم منتجا فاخرا في محلات الحلويات الراقية، ومع تغير أساليب الإنتاج وارتفاع تكاليف المكونات، قفزت أسعاره بشكل صادم لم يتخيله أحد، لتصل علبة الكعك في بعض المحلات إلى 39 ألف جنيه.

في الماضي كانت صناعة الكعك تبدأ قبل العيد بأيام، حيث تتجمع السيدات في البيوت في أجواء مليئة بالفرحة والبهجة، حيث يتم تحضير العجينة يدويا، ويتم تقسيمها بعناية، ثم تأتي المرحلة الأجمل وهي النقش، فكانت النقوش يتم صنعها باستخدام منقاش خشبي بسيط أو نحاسي، أو حتى بأطراف الأصابع، لتخرج أشكالا مميزة تحمل بصمة كل بيت، وبعد ذلك، يتم رص الكعك في الصاجات الكبيرة، لإرسالها إلى الأفران البلدية ويتم خبزه وسط رائحة تملأ الشوارع لتعلن اقتراب العيد، وفي ذلك الوقت لم تكن التكلفة كبيرة، حيث كانت المكونات بسيطة ومتوفرة، مثل الدقيق والسمن والسكر، بينما كانت الحشوات تقتصر على العجوة أو المكسرات المتاحة، الأهم من ذلك أن القيمة الحقيقية للكعك لم تكن في سعره، بل في الجهد الجماعي والطقوس السنوية والروح التي يتم بها صناعة هذه الحلوى.

ومع مرور الوقت بدأت ملامح التغيير تظهر تدريجيا، حيث دخلت الأجهزة الكهربائية إلى المطابخ، فأصبحت عملية العجن أسهل وأسرع، كما ظهرت قوالب حديثة تُغني عن النقش اليدوي، ومع انشغال الكثير من السيدات بالعمل، تراجع الاعتماد على الكعك المنزلي، وبدأت محلات الحلويات تملأ هذا الفراغ، وفي البداية، كانت هذه المحلات تقدم الكعك بأسعار مقبولة، لكن مع تطور السوق واشتداد المنافسة، بدأت موجة من الابتكار في الشكل والمذاق، فظهرت أنواع جديدة بحشوات مختلفة مثل الشوكولاتة والبندق والفستق، كما أُضيفت ابتكارات جمالية على التقديم والتغليف، جعلت الكعك يبدو كمنتج فاخر أكثر منه حلوى شعبية.

ومع هذا التطور، ارتفعت الأسعار تدريجيا، نتيجة زيادة تكاليف المواد الخام، خاصة السمن والمكسرات المستوردة، لكن القفزة الأكبر جاءت في السنوات الأخيرة، حينما دخلت بعض العلامات التجارية الفاخرة إلى السوق، مقدمة كعكا يُصنف ضمن المنتجات الراقية، معتمدا على مكونات مستوردة وتغليف فاخر وتجربة شراء مختلفة، حيث وصلت الأسعار في بعض هذه المحلات إلى أرقام غير مسبوقة، وبلغ سعر بعض علب الكعك نحو 39 ألف جنيه، وهو ما أثار صدمة ودهشة الكثيرين، بل وانتقادات واسعة، حيث أن الكعك الذي كان رمزا للبساطة والفرحة أصبح بالنسبة للبعض سلعة للأثرياء فقط.

من ناحية أخرى، مازالت هناك شريحة كبيرة من الأسر متمسكة بتقاليد صنع الكعك في المنزل، ليس فقط لتوفير التكلفة، ولكن للحفاظ على روح العيد، حيث أن اجتماع العائلة حول إعداد الكعك، وفرحة الأطفال في ذلك الوقت وتبادل الضحكات أثناء النقش والخبز، تجعلها تجربة لا يمكن تعويضها بشراء منتج جاهز مهما بلغت جودته.