
نهاد شعبان
مع حلول عيد الأم كل عام، يتغير شكل الأسواق بطريقة ملحوظة، حيث تزداد حركة البيع والشراء وتتنوع المعروضات وتتصدر الهدايا واجهات المحلات، كما تنتشر الزينة والعروض الترويجية، وتتنافس العلامات التجارية على جذب انتباه المستهلكين من خلال تخفيضات وعبارات مؤثرة تستهدف المستهلكين، وفي هذه الأجواء، يبدو عيد الأم وكأنه موسم للفرح، لكن خلف هذا المشهد الاحتفالي يبرز تساؤل مهم: هل يمثل هذا النشاط التجاري فرحة موسمية حقيقية، أم أنه يتحول تدريجيًا إلى عبء اقتصادي على كاهل الأسر؟.

عيد الأم في حد ذاته يعتبر مناسبة إنسانية عميقة، تهدف إلى التعبير عن الامتنان والتقدير لدور الأم في حياة أبنائها، ومع ذلك شهدت هذه المناسبة تحولًا واضحًا في السنوات الأخيرة، حيث أصبحت مرتبطة بشكل متزايد بثقافة الاستهلاك، فلم تعد الهدية مجرد رمز بسيط يحمل قيمة معنوية، بل أصبحت في كثير من الأحيان تعبيرًا ماديًا يُقاس بحجمها أو سعرها، وهذا التحول ساهم في توسيع سوق الهدايا، لكنه في الوقت نفسه خلق نوعًا من الضغط غير المباشر على الأفراد.

ومن الناحية الاقتصادية يمثل عيد الأم فرصة ذهبية للعديد من القطاعات التجارية، فمحال العطور، والملابس، والأجهزة المنزلية، وحتى متاجر الحلويات والزهور، تشهد زيادة كبيرة في الطلب، كما تستفيد المشروعات الصغيرة والحرفيون من هذا الموسم، حيث يقدمون منتجات يدوية تحمل طابعًا شخصيًا يلقى رواجًا بين المستهلكين الباحثين عن هدايا مميزة، وهذا الانتعاش ينعكس إيجابيًا على حركة السوق، ويساهم في تنشيط الاقتصاد ولو بشكل مؤقت، لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل الجانب الآخر من هذه المناسبة، فمع ارتفاع الأسعار وتزايد متطلبات الحياة، يجد كثير من الأفراد أنفسهم أمام معادلة صعبة، كيف يمكنهم التعبير عن حبهم دون تجاوز حدود إمكانياتهم المادية؟ وهنا يظهر الشعور بالضغط، خاصة مع انتشار ثقافة المقارنة الاجتماعية، حيث يرى البعض أن قيمة الهدية تعكس مدى التقدير، وهذا المفهوم قد يدفع البعض إلى إنفاق مبالغ تفوق طاقتهم، فقط لمجاراة ما يرونه حولهم.

كما تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا هامًا في ترسيخ هذا الاتجاه، فمع انتشار الصور ومقاطع الفيديو التي تعرض هدايا فاخرة واحتفالات مبالغ فيها، تتشكل لدى المتابعين صورة مثالية قد تكون بعيدة عن واقعهم، هذه الصورة قد تؤدي إلى شعور بالنقص أو التقصير، حتى وإن كانت النوايا صادقة والمشاعر حقيقية، وهكذا تتحول المناسبة من لحظة عاطفية إلى تجربة قد يختلط فيها الفرح بالقلق، ورغم كل هذه الصعوبات، هناك وعي متزايد بدأ يظهر في المجتمع، يدعو إلى إعادة النظر في طريقة الاحتفال بعيد الأم، فالكثير من الناس أصبحوا يدركون أن الهدية ليست الهدف، بل وسيلة للتعبير عن الحب، ومن هنا، ظهرت أفكار بديلة للاحتفال، مثل تقديم هدايا رمزية، أو إعداد مفاجأة بسيطة في المنزل، أو قضاء وقت مميز مع الأم بعيدًا عن ضغوط الشراء، وكل هذه المبادرات لا تقل قيمة عن الهدايا باهظة الثمن، بل قد تكون أكثر تأثيرًا وصدقًا.