تمثال “التجريس” يثير الجدل في أسوان.. فن أم ترسيخ العقاب الاجتماعي؟

إبراهيم العجمي

أثار أحد التماثيل الحديثة في محافظة أسوان حالة واسعة من الجدل والسخرية، بعدما ظهر ضمن أعمال التجميل المرتبطة بفعاليات سمبوزيوم أسوان الدولي للنحت، ذلك الحدث الذي انطلق عام 1996 بمبادرة من الفنان التشكيلي المصري الراحل آدم حنين وبإشراف من وزارة الثقافة، والذي يشارك فيه سنويًا ما يقارب من 94 فنانًا من 52 دولة، مستفيدين من خامات الجرانيت الأسواني الفريدة التي طالما ارتبطت بتاريخ المصريين القدماء، حيث كانت هذه الأحجار الصلبة شاهدة على بناء المسلات والمعابد وحفظ ملامح الحضارة عبر آلاف السنين.

غير أن التمثال الذي يجسد رجلًا يحمل طائرًا ويجلس على حمار بالمقلوب لم يمر مرورًا عاديًا، بل استدعى حالة من الاستغراب وربما الرفض لدى قطاع من الجمهور، ليس فقط بسبب غرابة التكوين، ولكن لما يحمله هذا المشهد من استدعاء مباشر لذاكرة شعبية قديمة مرتبطة بعقوبة “التجريس”، تلك الممارسة التي كانت تستخدم للتشهير بالمذنبين عبر إركابهم على حمار بالمقلوب والطواف بهم في الأسواق، في مشهد قاسٍ يهدف إلى الإذلال العلني قبل أن يكون مجرد عقاب.

وفي سياق متصل، أكد الأستاذ شكري سيف، نقيب المرشدين السياحيين بمحافظة أسوان، أن تجربة وضع التماثيل والأعمال الفنية في الشوارع والميادين تُعد فكرة ممتازة، مشيرًا إلى أنها أضفت طابعًا جماليًا مميزًا على المدينة، وأعرب عن أمله في تعميم هذه التجربة في مناطق أخرى، لافتًا إلى أن السائحين وزوار أسوان يقدرون هذا النوع من الفنون، خاصة مع توظيف الجرانيت الأسواني الذي يمنح الأعمال طابعًا بصريًا فريدًا يعكس هوية المكان.

وأضاف “شكري” أن تطوير المشهد الحضاري لا يقتصر فقط على الأعمال الفنية، بل يتطلب أيضًا اهتمامًا أكبر بملف النظافة، مؤكدًا أهمية القضاء على ظاهرة النبش في القمامة من خلال التوسع في استخدام صناديق قمامة حديثة ومدفونة تحت الأرض، بما يساهم في الحفاظ على الشكل الجمالي للمدينة وتحسين تجربة الزائرين.

وفي المقابل، قال الأستاذ وائل سامح، أحد سكان المنطقة لـ”ليبرالي” إن وضع التمثال والفكرة نفسها غير مناسبة، مؤكدًا أنهم يتمنون زراعة الزهور والأشجار لإضفاء منظر جمالي أفضل على المدينة، خاصة أن هذا الشارع الرئيسي يشهد حركة سياحية مستمرة ويستقبل القادمين والمغادرين إلى المطار، مشيرًا إلى أن أسوان في حاجة إلى التوسع في المساحات الخضراء باعتبارها عنصرًا أساسيًا في تحسين المشهد الحضاري.

هنا يتجاوز الجدل حدود الشكل إلى المعنى، فالبعض رأى في التمثال إحياءً لرمزية مهينة لا تتناسب مع الفضاء العام ولا مع مدينة سياحية مثل أسوان، بينما رأى آخرون أنه تعبير فني مشروع لا يُشترط فيه أن يكون مباشرًا أو مريحًا، وأن الفن بطبيعته يستفز ويطرح الأسئلة أكثر مما يقدم إجابات جاهزة، خاصة عندما يستلهم من التاريخ أو من الموروث الشعبي.

وبين هذا وذاك، يظل العمل الفني معلقًا في منطقة رمادية بين التأويل والرفض، بين من يبحث عن رسالة واضحة ومن يقبل بالغموض كجزء من التجربة الجمالية، وربما تكمن أهمية هذا الجدل في أنه أعاد طرح سؤال قديم متجدد، هل وظيفة الفن أن يرضي الذوق العام أم أن يهزه ويختبر حدوده، وهل يمكن لرمز ارتبط يومًا بالإهانة أن يتحول إلى أداة للتأمل أو النقد في سياق معاصر؟.

في النهاية، سواء اتفقنا مع التمثال أو رفضناه، فإنه نجح في أن يفرض حضوره، وأن يحول لحظة عابرة في فضاء عام إلى نقاش أوسع حول العلاقة بين الفن والذاكرة والناس، وهي معادلة لم تكن يومًا سهلة أو مستقرة، بل ظلت دائمًا قابلة للاشتباك وإعادة التعريف.