مجتمع دامج على الورق فقط.. هل تنصف الاستراتيجية الجديدة ذوي الإعاقة فعليًا؟

مي سليم

وافق مجلس الوزراء برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، على الاستراتيجية الوطنية لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة (2026-2030)، في نسختها ا حيث يعكس هذا القرار توجه الدولة نحو تعزيز مباديء العدالة الاجتماعية وبناء مجتمع أكثر شمولية، وجاءت الاستراتيجية الوطنية لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة (2026-2030) تحت  عنوان “مجتمع دامج وممكن”، حيث يشير ذلك العنوان إلى رؤية طموحة لدمج ذوي الإعاقة في مختلف مناحي الحياة.

وبين الواقع والمأمول يفتح إطلاق الاستراتيجة الباب أمام عدد من التساؤلات حول مدى قدرتها على إحداث تغيير حقيقي وملموس في حياة الأشخاص ذوي الإعاقة؟، هل ستساعد فعليًا في دعم حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وتعزز من دمجهم في المجتمع؟، هل ستكون كافية أم ستحتاج إلى خطوات مكملة وضمانات على أرض الواقع؟ وهل ستشهد الفترة المقبلة توسعًا في فرص التوظيف الدامجة لهم في القطاعين الحكومي والخاص بما يحقق الاستقلال المادي لهذه الفئة؟.

محاور الاستراتيجية الوطنية لذوي الإعاقة (2026-2030)
تضمنت الاستراتيجية سبعة محاور رئيسية ومترابطة تشكل الإطار البنائي لتوجهات الدولة نحو تعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وتمكينهم بشكل شامل ومستدام، وتستهدف تطوير الأطر القانونية والتنظيمية الخاصة بحقوق ذوي الإعاقة، وتعزيز تنفيذ القوانين والسياسات التي تضمن حقوقهم بشكل فعال، وأيضًا تهيئة البنية التحتية، والمرافق العامة، ووسائل النقل، وتطوير الخدمات التكنولوجية لتسهيل حركة ووصول الأشخاص ذوي الإعاقة دون عوائق، بالإضافة إلى تعزيز فرص العمل والتوظيف، ودعم ريادة الأعمال، وضمان حقوقهم في سوق العمل، وتفعيل الحد الأدنى للأجور لضمان استقلالهم المادي، وتشمل التعليم الدامج والمستدام من خلال توفير فرص تعليمية شاملة ودمج الطلاب ذوي الإعاقة في المنظومة التعليمية العامة، وتأهيل المعلمين لذلك، والحماية الاجتماعية والرعاية الصحية عبر تقديم خدمات صحية نوعية، وفحص مبكر، وتقديم برامج حماية اجتماعية شاملة لضمان حياة كريمة ودعم الأسرة، وتطوير الأطر التشريعية والقانونية عبر مراجعة القوانين لضمان تنفيذها وتفعيلها، وحماية حقوق ذوي الإعاقة ضد التمييز أو التعسف في العمل، ونشر الوعي والثقافة المجتمعية من خلال إطلاق حملات توعوية لتغيير النظرة المجتمعية تجاه الإعاقة، وتعزيز قبولهم واندماجهم الفعلي، وأخيرًا بناء القدرات والحوكمة من خلال تطوير الشراكات المحلية والدولية، وتطبيق آليات المتابعة والتقييم لضمان جودة وسرعة تنفيذ البرامج.

حقوق على الورق ومعاناة في الواقع

من جانبه أعرب أحمد عبدالكريم، أمين ذوي الإعاقة بحزب العدل، عن أمنيته بتنفيذ الاستراتيجية كما يجب أن يكون وتحقيق العدالة الاجتماعية للأشخاص ذوي الإعاقة، مضيفًا أن واقع الأشخاص ذوي الإعاقة بمصر مؤسف ويستحق الاهتمام به والاستماع إلى مشاكلهم المتعددة.

وأوضح “عبد الكريم” أن:” واقع ذوي الإعاقة في قضية التوظيف سيء للغاية ويتم إهانتهم سواء في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص بالإضافة إلى عدم حصولهم على جميع مستحقاتهم المالية”، مؤكدًا أن أغلب وليس كل ذوي الإعاقة الذين تم تعيينهم في شركات خاصة لا يتقاضون الحد الأدنى للأجور، بل أقل منه بكثير، وعندما يتوجهون إلى مكاتب العمل بالشكاوى لا يجدون أية مساندة بل يتم الرد عليهم بـ”هو ده إللي عندنا وإن كان عاجبكم”، وبالتالي فإن المعاق يصبح مُجبر حيث أنه لا يملك بديل آخر.

وحول واقع التعليم، أكد أن:” هناك قطاع كبير من ذوي الإعاقة لا يستطيعون الحصول على فرص التعليم المناسبة ولا يوجد أماكن مؤهلة لاستقبالهم، كما أنه لا يتوفر أشخاص مدربون بشكل علمي لكيفية التعامل معهم طبقًا للإعاقات المختلفة، وتابع أن هناك فجوة كبيرة في قطاع التعليم كما أن هناك ظلم للمعلمين من ذوي الإعاقة حيث يتم مساواتهم بالأسوياء وتكليفهم بنفس عدد الحصص دون مراعاة الإعاقة، وهذا الأمر يتنافى مع قانون العمل والقانون رقم 10 لسنة 2018  الذي يتضمن توجيه الأعمال لذوي الإعاقة طبقًا للإعاقة وأن تكون مناسبة للجهد الجسدي والبدني، وهو ما لا يحدث في الواقع”.

وفي مجال الصحة، أوضح أن ذوي الإعاقة لا يحصلون على أي خدمات صحية مجانية كما أقر قانون 10 لسنة 2018، بل يتكفلون بجميع المصروفات من حيث الكشوفات والأدوية مثل باقي المواطنين، وطالب “عبدالكريم” بضرورة خروج جميع مبادرات دعم ذوي الإعاقة إلى النور وتفعيل آلياتها، وألا تظل على ورق أو مجرد تصريحات صحفية وإعلامية، وأن يتم تفعيل الاستراتيجية الوطنية بصدق على أرض الواقع حتى يستشعر ذوي الإعاقة بتغيرات ملموسة في كافة قضاياهم من تعليم وتوظيف وإسكان وصحة وغيرها، حتى نعترف بهذه الاستراتيجية.

كما سلط الضوء على ضرورة الاهتمام بشكل خاص من الحكومة بقضية الزوجة من ذوي الإعاقة في استحقاق المعاش المورث، حيث تظل هذه الإشكالية منذ عام 2018 دون الوصول إلى حلول جذرية، مع توفير وحدات سكنية ملائمة لغير القادرين من ذوي الإعاقة بما يضمن لهم الاستقرار إذ يواجه عدد كبير منهم صعوبات في الحصول على مسكن في ظل غياب دخل ثابت أو فرص عمل مما يؤدي إلى رفض مصوغات القبول لوحدات الإسكان المطروحة من الحكومة.

واختتم “عبدالكريم” حديثه مطالبًا برفع الحظر عن سيارات ذوي الإعاقة المحتجزة بالموانئ المصرية، وعدم التعنت في خروجها لما يترتب على ذلك من مشقة كبيرة لذوي الإعاقة تشمل صعوبات مالية واجتماعية وصحية رغم أحقية أصحابها وحصولهم على كارت الخدمات المتكاملة وخضوعهم لكافة الفحوصات اللازمة لإثبات إعاقاتهم، مع ضرورة نظر الحكومة إلى أزمة المواصلات ومعالجتها وإبرام اتفاقات مع الشركات الخاصة.

نحو دمج فعلي وحماية الحقوق .. ننتظر التنفيذ

من جانبه قال محمد ممدوح، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان:” أننا كنا بحاجة حقيقية لهذه الاستراتيجية خاصة أن القانون رقم 10 لسنة 2018، رغم أهميته، لم يكن وحده كافيًا لحفظ حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة”، مؤكدا أنه:” مهمها بلغت قوة التشريعات لكنها تظل بحاجة لأي مجموعة من الإجراءات المؤسسية الداعمة، ولذلك ظهرت ضرورة وجود استراتيجية واضحة على غرار الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان التي أطلقتها الدولة  2021-2026، لتدعم حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وتعزز من دمجهم في المجتمع بشكل فعلي ومستدام”.

وأشار “ممدوح” إلى أنه وفقًا للتقديرات فإن هناك ما يقرب من 10% من المصريين من ضمن ذوي الإعاقة أي ما يتراوح  بين 11 إلى 15 مليون شخص من ذوي إعاقة بحاجة إلى مجموعة من الإجراءات المؤسسية لتحقيق نموذج تنموي شامل يقوم على التمكين والدمج وعدم التمييز لهذه الفئة، ولفت إلى أنه من ضمن إيجابيات هذه الاستراتيجية أنها قامت على المنهجية التشاركية مما يعظم فرص نجاحها، حيث تم إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم في تحديد الأولويات مع أشخاص من غير ذوي الإعاقة، مما ينتج حالة من الرضا المجتمعي في إجراءات التنفيذ.

وأوضح أنه:” يمكننا عن الحديث عن خطوات مكملة  أو تقييم نهائي الآن، فكل استراتيجية هي حبر على ورق حتى تدخل حيز التنفيذ، ولا يمكن الحكم عليها بالنجاح أو الفشل بمجرد إطلاقها، ولكن يظل توجها محمودًا من الدولة المصرية، يتطلب أن يصاحبه مجموعة من أطر التنفيذ  وحزمة متكاملة من السياسات والبرامج التي تستهدف تحسين جودة الحياة وتوفير فرص عادلة في التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية”.

في السياق ذاته، نوه إلى مسئولية الأحزاب السياسية ودورها في تعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، خاصة أنه خلال الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة لم تكن الأحزاب على القدر المأمول، حيث كنا ننتظر من الأحزاب الدفع بأشخاص ذوي إعاقة كي نضمن لهم مشاركة فاعلة، وكما نتحدث عن حقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية فحقوقهم الدنية والسياسية أحد الحقوق الهامة التي تقع على مسئولية الأحزاب.

وتوقع “ممدوح” في نهاية حديثه أنه:” في ظل إطلاق الاستراتيجية سنشهد توفير فرص واضحة وحقيقية، وهذا هو التحدي الحقيقي في إيجاد فرص التوظيف والتشغيل الفعلي خاصة أن هناك بعض الهيئات والمؤسسات تدعي وجود الأشخاص ذوي الإعاقة داخل هياكلها التنظيمية بالنسب المنصوص عليها لكن دون صلاحيات فعلية وتقوم بتحويل الرواتب من راتب عمل إلى إعانة شهرية أو مساعدة مكلفة وبالتالي تبرز الحاجة الملحة لتطوير السياسات الخاصة بالتوظيف وتطبيق العمل عن بعد, بما يضمن دمجًا حقيقيًا”.