حزب برئيسين.. صراع الشرعية يشق “الدستور” ويهدد مصيره

مي سليم

تشهد أروقة حزب الدستور حالة من الصراع المستمر منذ أكثر من عامين، بين جميلة إسماعيل الرئيس السابق للحزب والهيئة العليا، في أزمة متفاقمة تثير تساؤلات حول مستقبل الحزب ومتى يمكن أن تنتهي هذه الخلافات التي ألقت بظلالها على تماسكه الداخلي.

بداية الأزمة
انطلقت جذور الأزمة بسبب خلافات حادة حول انتخابات رئاسة الجمهورية في ديسمبر 2023، إلى جانب الجدل بشأن الانضمام إلى التيار الليبرالي الحر بقيادة هشام قاسم، فضلا عن رغبة جميلة إسماعيل في الترشح للرئاسة، وهو ما قوبل برفض من الجمعية العمومية، لتتخذ بعدها قرارًا بفصل عدد من أعضاء الهيئة العليا، وهو ما اعتبره معارضوها مخالفة صريحة للائحة الحزب.

تصاعد الخلافات
وتوالت الأزمات نتيجة ما وصفه البعض بتشدد “إسماعيل” في إدارة الحزب وآليات اتخاذ القرار، حيث اتهمها خصومها بالانفراد وفرض السيطرة، ما أدى إلى انقسام واضح داخل الحزب إلى جبهتين، الأولى مؤيدة لها، والثانية داعمة للهيئة العليا، وسط تبادل الاتهامات بشأن مسؤولية الوصول إلى هذه المرحلة من التوتر.

تدخل لجنة شئون الأحزاب
وعقب تفاقم الأزمة، تم إخطار لجنة شئون الأحزاب التي أقرت ببطلان هيئة التحكيم التي أصدرت قرارات الفصل، قبل أن تعلن خلو منصب رئيس الحزب لحين انعقاد المؤتمر العام.

وفي 10 سبتمبر 2024، أصدرت اللجنة قرارًا بحفظ عدد من الطلبات المقدمة، مع التأكيد على استمرار خلو المنصب مؤقتًا لحين حسم الوضع التنظيمي.

انتخابات يناير 2026
وفي محاولة لإعادة ترتيب المشهد، أجرت الهيئة العليا انتخابات داخلية في يناير 2026، أسفرت عن اختيار إبراهيم العزب رئيسًا للحزب، والحسيني شاهين أمينًا عامًا، ومحمود قشطة أمينًا للصندوق، وذلك في منافسة مع ثلاث قوائم أخرى، وبدعم عدد من قيادات الحزب وأعضاء الهيئة العليا.

انتخابات موازية تشعل الأزمة
في المقابل، دعت جميلة إسماعيل إلى إجراء انتخابات موازية في 28 مارس 2026، وهو ما قوبل برفض من جبهة العزب، التي أصدرت تحذيرًا عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أكدت فيه أن هذه الدعوة تخرج عن الأطر الشرعية واللائحية، مشددة على أن الجهة المشرفة على هذه الانتخابات فقدت صفتها القانونية منذ سنوات، وأن الدعوة للجمعية العمومية حق أصيل للهيئة العليا فقط.

ورغم تلك التحذيرات، أُجريت الانتخابات بالفعل تحت إشراف جبهة إسماعيل، وأسفرت عن فوز وفاء صبري بمنصب رئيس الحزب، بفارق يقارب 10 أصوات عن منافسها أحمد عيد، الذي سبق له تولي منصب أمين محافظة الشرقية.

وشارك في هذه الانتخابات 177 عضوًا فقط من خلال التصويت الإلكتروني، رغم أن عدد أعضاء الحزب الذين يحق لهم التصويت يتجاوز 800 عضو، ما أثار حالة من الجدل حول مدى تمثيل هذه النتائج لإرادة القاعدة الحزبية.

صراع على الشرعية
من جانبه، أكد إبراهيم العزب تمسكه بشرعيته في رئاسة الحزب، مشيرًا إلى أن انتخابه تم وفق الإجراءات القانونية وتم إخطار لجنة شؤون الأحزاب به، واصفًا ما جرى من انتخابات موازية بأنه انشقاق ومحاولة لفرض أمر واقع.

وأوضح “العزب” في تصريح خاص لـ”ليبرالي” أنه مستمر في أداء مهامه والعمل على إعادة توحيد صفوف الحزب واستعادة دوره في الحياة السياسية، داعيًا جميلة إسماعيل إلى وقف التصعيد والدخول في حوار جاد مع مختلف الأطراف.

وشدد على أن العمل الحزبي يقوم في الأساس على التشاركية وليس فرض السيطرة، مختتمًا تصريحاته بالتأكيد على أنه الرئيس الشرعي للحزب، وأن الانتخابات التي أُجريت مؤخرًا لا يمكن الاعتداد بها.

محاولات تواصل ومصدر يكشف الكواليس
في المقابل، حاولت “ليبرالي” التواصل مع جميلة إسماعيل ووفاء صبري للتعليق على الأزمة، إلا أنه لم يتم الرد حتى وقت نشر التقرير، مع التأكيد على أن حق الرد مكفول لجميع الأطراف.

وكشف مصدر من داخل الحزب، فضل عدم ذكر اسمه، أن كلا الجبهتين تعلمان أن الانتخابات التي أجريت من جانبهما قد لا تعتمدها لجنة شؤون الأحزاب، متوقعًا أن تتجه الأزمة إلى ساحات القضاء في ظل استمرار النزاع، خاصة مع استمرار نظر الدعوى القضائية المقامة من إسماعيل اعتراضًا على قرار خلو منصب رئيس الحزب.

مصير غامض
وانتقد المصدر حالة العناد بين الأطراف المختلفة، معتبرًا أنها السبب الرئيسي فيما وصل إليه الحزب، مشيرًا إلى أن هناك محاولات سابقة لاحتواء الأزمة من خلال إجراء انتخابات موحدة، إلا أنها فشلت بسبب الخلافات حول قواعد المشاركة.

وأضاف أن تمسك “إسماعيل” بقصر التصويت على عدد محدود من الأعضاء أغلق باب التوافق، في حين خاضت الجبهة الأخرى الانتخابات رغم إدراكها احتمالية عدم الاعتراف بها، خوفًا من فرض سيطرة الأمر الواقع.

واختتم المصدر حديثه معربًا عن أسفه لما آل إليه حزب الدستور، الذي تأسس على آمال كبيرة، لكنه بات يواجه مستقبلًا غامضًا في ظل صراع داخلي قد يطول حسمه، ما يضع الحزب أمام مفترق طرق بين استعادة تماسكه أو الاستمرار في دوامة الانقسام.