“شغل منازل”.. القرار الحائر بين التوفير وتعطيل مصالح المواطن

سمر أبو الدهب

قررت الحكومة المصرية برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، خوض تجربة جديدة تتمثل في تطبيق العمل عن بُعد لمدة يوم واحد أسبوعيًا، وذلك لكل من القطاعين الحكومي والخاص، على أن يبدأ التنفيذ من الأحد الأول من شهر إبريل ولمدة شهر واحد تحت التقييم، مع استثناء المصانع والمدارس والجامعات من هذا النظام.
وتأتي هذه الخطوة كنوع من اختبار قدرة المؤسسات على الإدارة المرنة، إلا أن هذا التوجه فجر نقاشًا واسعًا بين الخبراء، حيث تباينت الآراء بين من يراه خطرًا يهدد خصوصية البيانات ومصالح البسطاء في القرى، وبين من يراه استثمارًا ذكيًا للمستقبل وتوفيرًا لموارد الدولة.

أسرار الدولة وحقوق الغلابة في مهب الريح.. لماذا يخشى الخبراء هذا القرار؟
في ذلك ​يرى الخبير الاقتصادي، الدكتور هاني أبو الفتوح، أن الأمر أعمق بكثير من مجرد توفير في استهلاك الطاقة، حيث ينطوي على مخاطر تقنية واجتماعية قد تمس صميم العمل الحكومي، موضحًا أن الموظف حين يعمل من منزله، فإنه يستخدم شبكات إنترنت منزلية أو باقات موبايل غير مؤمنة، مما يجعل بيانات المواطنين وأسرار الدولة عرضة للاختراق من قبل “الهكرز”، خاصة في ظل غياب برامج الحماية المتطورة على الأجهزة الشخصية للموظفين.

وأضاف أن استخدام أجهزة شخصية قديمة، ممتلئة بالألعاب والبرامج مجهولة المصدر، يفتح بابًا خلفيًا لسرقة بيانات الوزارات، فضلًا عن غياب الخصوصية البشرية، إذ يمكن لأي شخص محيط بالموظف في مكان عام أو حتى داخل منزله أن يطلع على ملفات حساسة أو يصورها، وهو ما يهدد الأمن القومي الوظيفي بشكل مباشر.

​وشدد “أبو الفتوح” على أن هذا القرار قد يتحول إلى “تعطيل رسمي” لمصالح المواطنين، خاصة في الأقاليم والنجوع التي لا تزال تعتمد كليًا على الدفاتر الورقية والأرشيف اليدوي. فالموظف في منزله لن يستطيع الوصول إلى الدفاتر المركونة في المكتب، مما يجعل يوم العمل يمر دون إنجاز حقيقي، مؤكدًا أن تطبيق نظام تكنولوجي على جهات لا تزال تطلب “ختم مدام كوثر” وتوقيعات يدوية سيخلق ارتباكًا كبيرًا، فالمواطن البسيط الذي يقطع مسافات طويلة للوصول للمصلحة الحكومية سيفاجأ بغياب الموظف وعدم وجود “سيستم” إلكتروني ينهي طلبه، مما يضاعف من معاناة الناس ويؤدي لتراكم الشغل وزيادة الزحمة في الأيام التالية، وكأننا نضحي ببيانات الدولة ومصالح الناس من أجل توفير ثمن لمبة كهرباء.

​إعادة هيكلة هادئة واستعداد لزمن الأزمات.. نظرة تفاؤلية للمستقبل الرقمي
في موازاة ذلك، يعتقد الخبير الاقتصادي، الدكتور أحمد شوقي، أن ما كان حلًا اضطراريًا وقت أزمة كورونا يجب أن يتحول اليوم إلى استراتيجية دائمة لإدارة الاقتصاد المصري بذكاء، ويرى أن القرار يحمل رسائل اقتصادية قوية، فهو يهدف إلى تقليل الضغط المستمر على البنية التحتية والموارد، وتحسين استغلال الوقت، مما يؤدي إلى وفورات مالية ومكاسب غير مباشرة للدولة.

وأوضح أننا بصدد عملية “إعادة هيكلة هادئة” لنمط العمل، تهدف إلى جعل سوق العمل المصري أكثر مرونة في مواجهة أي صدمات مستقبلية، بحيث ننتقل من مرحلة “كيف نعمل من المنزل” إلى مرحلة “كيف نجعل هذا النموذج مربحًا للاقتصاد”، مؤكدًا أن العمل عن بُعد في نظره لم يعد رفاهية أو تجربة استثنائية، بل أصبح أداة عصرية لإدارة موارد الدولة وتقليل تكاليف التشغيل اليومية.