
سمر أبو الدهب
خلف شاشات البورصة وأرقام الاحتياطي التي تتحدث عنها التقارير الرسمية، تدور معركة أخرى في بيوت المصريين، معركة لم تكن أطرافها محصورة في الداخل، بل بدأت شرارتها من مضيق هرمز وامتدت لتصل إلى سلة التسوق في أبعد قرية مصرية، نحن هنا لا نتحدث عن مجرد أرقام، بل عن حياة يومية أصبحت مرهونة بقرار سياسي هنا أو ضربة عسكرية هناك، في وقت لم يعد فيه المواطن يملك رفاهية الصمود طويلًا أمام هذه الهزات المتتالية.
عندما يشتعل “برنت” تكتوي بيوتنا
الحكاية تبدأ من سعر خام برنت الذي لم يعد مجرد مؤشر عالمي، بل أصبح شبحًا يطارد ميزانية الأسرة المصرية بعدما تجاوز حاجز 100 دولار للبرميل، واستقر عند مستويات 103 دولارات، هذا الاشتعال في أسعار النفط العالمية الذي ترجم فورًا في صورة ضغوط تضخمية لا ترحم، حيث تزداد تكلفة نقل السلع وإنتاجها، مما يجعل أي استقرار في الأسعار مجرد حلم بعيد المنال، خاصة مع ترقب مراجعات جديدة لأسعار الوقود والكهرباء والغاز تجعل تأمين الاحتياجات الأساسية عبئًا لا ينتهي.
نزيف السيولة وتأرجح الجنيه
في الوقت الذي كانت فيه إيرادات قناة السويس تأمل في مواصلة التعافي بعد وصولها لـ 4.2 مليار دولار، جاءت توترات فبراير ومارس لتهدد هذا الرافد الحيوي بخسائر شهرية محتملة تتراوح بين 600 إلى 800 مليون دولار، هذا النقص في السيولة الدولارية، توازى مع خروج مفاجئ وضخم لما يعرف بالأموال الساخنة التي هربت من السوق المصرية بنحو 6.7 مليار دولار بحثًا عن ملاذات آمنة، مما أدى لاهتزاز سعر الجنيه وارتفاع الدولار لمستويات قاسية تجاوزت 52 جنيهًا للدولار، مسجلًا حركة تقلب هي الأعنف خلال الأسابيع الأخيرة.
أصوات من الواقع.. الراتب ينتهي قبل أن يبدأ
وسط تلك الصراعات هناك بشر يحاولون النجاة، علاء سيد، موظف متقاعد، يتحدث بمرارة، عندما أسمع عن ارتفاع سعر برنت، لا أفكر في البرميل منه بل أفكر في سعر كيلو اللحمة الذي زاد سعره 9% في أيام قليلة بحسب ما قيل لي، وإلى أسعار المنظفات التي أصبحت تستهلك ربع معاشي والخضروات والبقول التي لا بديل لها، أشعر أن مالي فقد نصف قيمته تقريبًا خلال الفترة القليلة الماضية، ولا أعرف إلى أين سوف يستقر بنا الحال.
أما أمنية جمال، ربة منزل، فتقول، أن مشكلتنا ليست في سعر الدولار فقط، بل في حالة القلق التي لا تنتهي، كيف أخطط لمصاريف مدارس أولادي والرسوم تزيد طوال العام بسبب تكاليف المستلزمات المستوردة؟ نحن نعيش في دائرة مغلقة؛ العالم يتصارع ونحن من ندفع الثمن من قوت يومنا.
الأزمة تكمن في سرعة انتقال الصدمات الخارجية للحياة اليومية
وفي ذلك يرى الخبير الاقتصادي، الدكتور خالد الشافعي أن الاقتصاد المصري يعيش مرحلة اختبار صلابة حقيقية، مؤكدًا أن الأزمة تكمن في سرعة انتقال الصدمات الخارجية إلى تكلفة الحياة اليومية، وهو ما يتطلب وضوحًا تامًا من صانع القرار بشأن حجم الضغوط على السيولة الدولارية لقطع الطريق على الشائعات.
أضاف الشافعي أن النجاح الحقيقي ليس في الحفاظ على احتياطي نقدي يقترب من 53 مليار دولار فحسب، بل في توجيه أي وفر مالي ينتج عن تقليص الدعم إلى شبكات حماية اجتماعية حقيقية تخفف عن الناس، وأن الحل المستدام يكمن في التخلص من الاعتماد على التدفقات المالية السريعة التي تخرج عند أول أزمة، واستبدالها باستثمارات في المصانع والمزارع؛ فهي الوحيدة التي ستجعل الاقتصاد المصري صامدًا أمام تقلبات مضيق هرمز أو غيره، وتمنع انتقال الصدمات الخارجية مباشرة إلى مائدة طعام المواطن.